قد يجد البعض، بعد قراءة هذا المقال، تعارضاً مع موضوع مقال الأمس، المتعلق بحرصي على المشاركة في الانتخابات. فالكثير من المراقبين يرون أن الانتخابات في الكويت تشبه عرضاً سينمائياً أو مسرحية، فعلى الرغم من معرفتنا بأن ما نشاهده أمامنا لا يعدو أن يكون «تمثيلاً»، فإننا مع ذلك نتفاعل معه، ونذرف الدموع أحياناً، ونحزن، ونشعر بالفخر أو الفرح في أحيان أخرى. وانتخابات الكويت، في صميمها، عملية تشبه مسرحية متقنة الإعداد، دستورياً، ترضي مختلف الأطراف، لكنها في الحقيقة «لعبة سياسية» لا علاقة لها بالديموقراطية وما تعنيه من تداول السلطة والرقابة الحقيقية على الأداء الحكومي. فغالبية، إن لم يكن كل، ما يصدر عن المجلس من تشريعات تكون عادة ملائمة للحكومة، مع ترك الأخيرة المجال، بين الفترة والأخرى، لأن يمر قانون لا يحظى بقبولها، ليكون كَرشِّ البهارات المحسنة على طبخة سيئة.

***

عوارض «لا ديموقراطية الكويت» عديدة، وخيوطها ممسك بها بطريقة محترفة، وسلاحها المال والخدمات، السياسية والانتخابية، وقلما يستخدم فيها العنف والتهديد، التي كان آخر عهدنا بها بعد حل مجلس 1938.

***

فديموقراطيتنا تعمل بلا أحزاب، وغياب الأحزاب يعني غياب البرامج والسياسات التي تتم محاسبة الحكومة عليها، بخلاف ما يرد ذكره في الخطاب الأميري عند دور الانعقاد، والذي لا يحظى غالباً بمناقشة أو مراجعة دورية معمقة.

كما أن ديموقراطيتنا مخترقة، أمام نظر الحكومة وسمعها، من القوى الدينية والقبلية، التي بإمكانها إيصال من تريد من خلال الولاء المذهبي أو القبلي، أو ما يسمى بالانتخابات الفرعية أو التشاورية، المجرَّمة والمسكوت عنها.. غالبا.

كما تعلم الحكومة أن المال السياسي يستخدم في الانتخابات. كما تعلم أن سبب التكالب على شراء الأصوات أو الصرف الكبير على الحملة، يعود إلى ما سيحققه من سينجح من «الفاسدين» من ثراء يتجاوز بكثير ما صرفه.

وفي ظل غياب الأحزاب، وتراخي أجهزة الرقابة، وحاجة بعض الحكومات لبعض الأصوات لتمرير قانون ما أو دعم وزير مستجوب فإنها لا تتردد في استخدام أسلوب العطايا أو الخدمات لتحقيق ذلك، وأعتقد أن حكومات أخرى تلجأ إلى هذا الأسلوب في كسب الأصوات، وحتى ليّ الذراع، ولكن ديموقراطيتنا تمتاز بعدم تردد النائب، فب التصريح، بالصوت والصورة، عن ذلك، وذكر حتى حجم تلك العطايا أو الخدمات.

فقد قالها ويقولها أحد النواب، وكيف أن المعازيب أكرموه دائماً، ويفعلون ذلك منذ سنوات. كما أقر نائب سابق في أكثر من مقابلة تلفزيونية، من أنه قبض أموالاً لصرفها على حسينيات منطقته الانتخابية، الشيعية. كما لم ينجُ «غريق الشاطئ»، بطل المقاومة السنية السورية، من إغراء قبض التبرُّعات من حكومة سابقة لدعم مبرته المباركة، ولم تمنعه لحيته في قبول المنحة آنذاك، وهي المعنية بالرقابة عليها.

من كل ذلك نجد أننا نشارك جميعاً في مسرحية مبكية مضحكة، وبالتالي نحن بحاجة ماسة إلى تعديل «أخلاقنا الانتخابية»، وتحسين نظامنا الانتخابي، بعيداً عن «عاداتنا وتقاليدنا»، وأقرب للعقل والمنطق.

أحمد الصراف

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking