كنت أنوي كتابة موضوع عن شخصية بنيامين نتانياهو، والظروف التي أدت إلى تطرفه، مما يوضح أن تطرفه نحو العرب ليس بموقف سياسي، وإنما ينم عن كراهية تراكمت لأسباب عائلية، أهمها مقتل أخيه وتطرف والده الذي كان سكرتيرا لجابوتنسكي – مؤسس تنظيم الأرغون – الذي ورث قيادته مناحيم بيغن بعد وفاة جابوتنسكي. لكن صديقا أرسل لي مقالا بعنوان «الدولة الرخوة»، وذكر ان المقال مأخوذ من نص اكبر، للاقتصادي السويدي غونار ميردال المتوفى عام 1987، والذي نشر اكثر من كتاب حول اقتصادات الدولة النامية. ولشدة علاقة ما جاء في وصف «الدول الرخوة» ولمقارنته للوضع الاقتصادي والسياسي في الكويت، غيرت مقصدي.

ولكون النص المنقول كان قد وصلني من دون مصدر وأين كان قد نشر، كان عليّ ان أتأكد. فوجدت أن هذا النص يتطابق كثيرا مع ما كان الاقتصادي غونار ميردال قد نشره في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وذلك من Article1000.com/gunnar-myrdals-development-state-theory. لذا فأنا مطمئن بأن أقتبس التالي مما وردني حول تعريف أو وصف «الدولة الرخوة» وفقاً لميردال:

«يقصد ميردال بالدولة الرخوة تلك الدولة التي تضع القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأن لا أحد يحترم القانون. الكبار لا يبالون به لأن لديهم من المال والسلطة ما يكفي ليحميهم منه، والصغار يتلقون الرشاوى لغض البصر عنه. ورخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد يزيدها فسادا. والفساد ينتشر في السلطتين التنفيذية والتشريعية، حتى يصل إلى القضاء والجامعات، ويصبح الفساد في ظل (الدولة الرخوة) أسلوب حياة، ومن أهم سمات هذه الدولة:

- عدم احترام القانون وضعف ثقة المواطنين به. وكثيرا ما يطبق على مناهضي الفساد.

- وجود مؤسسات حكومية أكثر من اللازم ومن دون دور واضح إلى درجة تتداخل وتتشابه معها صلاحيات المؤسسات وهدفها خلق مناصب للمحسوبين.

- نسيج اجتماعي منقسم.

- انهيار البنية التعليمية المدرسية والجامعية.

- غياب الشفافية وعدم الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وخاصة بين المال العام والمال الخاص» (انتهى الاقتباس).

هذا ويعتبر السويدي غونار ميردال من أهم الاقتصاديين في القرن العشرين، حيث نال نوبل في الاقتصاد عام 1974، وتقاسم معه الجائزة تلك السنة الاقتصادي النمساوي فريدريك هايك. وهذا الأخير كان المرجع الاقتصادي لرئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في تطبيق سياساتها التي أدت إلى تخصيص الاقتصاد البريطاني.

لكن جل اهتمامات غونار ميردال كانت حول اقتصادات الدول النامية، التي قدمها من خلال كتابه «الدراما الآسيوية: بحث في أسباب فقر الشعوب»، الذي نشره عام 1968. والحقيقة أن النظرية الاقتصادية التي قدمها ميردال لعلاج هذه الاقتصادات لا تتطابق مع الحالة الكويتية، لكن هناك تشابهاً من ناحية تأثير الفساد على تطور الاقتصاد. فنظرية غونار تنطبق على اقتصادات مثل الهند وباكستان ومصر، حيث تعاني هذه الاقتصادات من: 1 ــ هروب الأيدي العاملة الفنية من المناطق الفقيرة في البلد نفسه إلى المناطق الأغنى. كما أنها تهاجر من البلد نفسه إلى الخارج. وهذا واضح في دول مثل مصر والهند وباكستان. 2 ــ الخصوبة العالية التي أدت إلى مزيد من الفقر للعائلة نفسها. 3 ــ هروب رأس المال من المناطق الفقيرة في الدولة نفسها إلى مناطق أغنى منها أو هروبه لدول غنية.

وهذا واضح كذلك في دول مثل الهند وباكستان ومصر ودول عربية أخرى مثل لبنان وسوريا. لذلك عندما يقدم ميردال حلولا، يقدمها لمعالجة هذه المشكلات في دول تتميز بالمساحة الكبيرة والكثافة السكانية العالية. لكن ما يمكن أن نتعلم منه أو ما ينطبق على الكويت، وعلى هذه الدول هو إصراره على الإصلاح المؤسساتي لإصلاح الدولة والاقتصاد. فكان يرى، وكلنا نرى أن الإصلاح المؤسساتي هو الأهم. وهذا لا يتم إلا بتوقف الفساد.

هذا وأرى أن هناك اختلافاً كبيراً بين اقتصادات دول مثل الهند ومصر في الستينات من القرن الماضي، واقتصاد الكويت في القرن الحادي والعشرين، إلا أننا نتشارك معها من ناحية وصف ميردال لها «بعدم الانضباط المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي، والذي يظهر في التشريع وعدم احترام القوانين، وتواطؤ بعض السياسيين مع أصحاب المصالح، والذي يؤدي إلى انتشار الفساد، وتحول الدولة إلى دولة رخوة».

الكويت ليست الهند او مصر او الباكستان في الستينات او السبعينات من القرن الماضي، لكننا في شبه مأزق. فبالرغم من ثرواتنا، نجد انفسنا عاجزين عن تلمس طريق لتجاوز اهم التحديات: القضاء على الفساد وإصلاح التعليم وإصلاح الاقتصاد.

د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking