اليوم يصادف الثلاثين من نوفمبر، وتبعدنا عن منصة الانتخاب مسافة أصابع اليد، انتهيت من قراءة أسماء المرشحين وحاولت رصد خلفياتهم بقدر ما توافر من تفاصيل عن مسارهم في الحياة، لكي انتخب صوتاً واحداً من قائمة تضم عشرات المرشحين، فلا خيار لي غير اسم واحد، أعرف بعضهم ولا علم لي بما يملك أغلبهم، ومع التدقيق وجدت الأغلبية خارج خياراتي، فلا تلتقي عندهم أحكام الاختيار التي التزم بها مع تصوري لعجزهم عن هضم حقائق مسؤوليات النائب المشرع، فلا أحد يشك في وطنيتهم ولا في اجتهاداتهم، لكني على يقين بأن الأغلبية لم تستوعب مبررات الدستور، ولم تتمعن في الجهد الخارق الذي بذله حاكم الكويت الشيخ عبدالله السالم وقلقه الدائم بحثاً عن توفير ما يراه ضرورة لصمود الكويت، وهي كما كان يتصور، الروح الآمنة في سكينة دائمة، عبر شراكة بين المجلس وأمير البلد، قائمة على شرعية تاريخية، زادت عمقاً من ثنائية التوافق بين النظام والشعب..

تحمل أبو الدستور الشيخ عبدالله السالم متاعب الجولات مع بريطانيا، تمهيداً للاستقلال وانطلاق الدولة الحديثة، بدستور منفتح من أجل خلق وطن يتميز باحترام آدمية الإنسان وصون مستقبله وتأمين حياته، وترسيخ مقومات البقاء له وللدولة التي تصونه، في نظام فيه حرية الاختيار القائم على سيادة القانون، يوفر المساواة للجميع بلا حواجز، ويؤمن للمواطن العلم والمعرفة والصحة، وأهم شيء المجتمع الحر المنفتح، يتنافس فيه النواب لتحقيق طموح الوطن وحماية القانون وتأمين الاستقرار والسلام في حيوية مجتمعية مثمرة.

أعطت موجات الانتخابات في الستينات اعتباراً كبيراً للأهداف الكبرى التي تولد منها الدستور، وحافظت على وحدة المجتمع، والتزمت القيم العليا التي يتحدث عنها الدستور، ويطالب النواب بالايمان فيها كثروة الوطن ومنابع روحه ومصدر أنفاسه.

لم يستمر الوفاء في الأداء النيابي لنبل هذه المفاهيم التي هي محتوى الكويت وعنوانها، لمسببات كثيرة، من أبرزها غياب الجمعيات وهيئات المجتمع المدني المنشغلة بالتثقيف الديموقراطي التي يجد فيها المواطن صدق التفسيرات لمعاني الدستور وثمار الالتزام به، والاصرار على معاني سيادة القانون وضرورة إطاعته، والبعد عن عصيانه وشرح فوائده وحصاد تقبله.

جاءت معاناة الكويت من غياب التفاعل الشعبي مع نبل القيم التي يحملها الدستور وأبعادها السياسية والاجتماعية، كما بدأت تتسلل إلى الحياة الديموقراطية نزعة الأنانية للاستمرار والبقاء في أضواء البرلمان، ليس بسبب تجاوب طوعي للدفاع عن قيم الدستور والاعتزاز به واحترام مكانته، وإنما للاستفادة من امتيازات ليس له وحده، وإنما عابرة لتصل إلى شبكة العائلة، ومنها إلى القاعدة الانتخابية التي شكلت القبيلة والطائفية أكبر أعمدتها..

هناك ثمن كبير تدفعه الكويت ليس فقط في هدر المال العام، وإنما في جانب أخطر يمس الدستور ويسبب اضطراباً مع تجاهل سطوته وتحديه من دون اعتبار لمصالح الدولة ولحقوق الآخرين من المواطنين.

وتولدت من هذا التصدع في النظام العام قوى وسماسرة كل مسؤولياتها حشد المساندين، وتحول الأمر إلى دكاكين يشغلها المحترفون من المفاتيح الانتخابية.

ومن هذه الممارسة برز مناخ له أعراف وأسرار ظهرت فيه القبيلة كحزب سياسي له قواعده الخاصة، ليس بالضرورة منسجماً مع معاني الدستور، وإنما أشغل الفراغ في غياب المنتديات السياسية الحديثة.

كما أفرزت هذه الظاهرة علاقات غامضة وملتبسة بين بعض الوزراء وبعض النواب، على قاعدة تبادلية المنافع، بحيث يضمن الوزير السلامة ويكسب النائب يقين البقاء..

قدم النائب السيد عدنان عبدالصمد نموذجاً عنها في لقاء تلفزيوني، حيث سيطرت الحيرة على الحوار، عند عرض وزير سابق للداخلية مطروح اسمه للاستجواب، وكانت المساومة.. وجوهرها الابتعاد عن التصويت مقابل ضمان العودة للنائب، لأن الوزير من دون حماية المؤازرين لا يضمن البقاء، فاختار نهجاً غير شرعي فيه تحقير للقانون والدستور، وهذه الظاهرة تكشف المدى الذي يتجاهل فيه النواب قواعد الاستجواب التي حددها الدستور، فقد أضحى الاستجواب ممراً آمناً للثراء..

ندخل الانتخابات هذا العام والحالة النيابية في الكويت في حالة اهتزاز، ليس من دمار كورونا الوافد وإنما كورونا الفساد الذي استوطن الفضاء النيابي وساهم إلى حد كبير في تحقير قيم الدستور العالية، وإنصافاً للواقع، فالحكومات السابقة تتحمل كثيراً من المسؤوليات لأنها لم تستطع توفير الوقاية للقيم المرتفعة التي تضيء سمعة الكويت وترفع صيتها، لم تفرض سطوة القانون والدفاع عن هيبته، فتساهلت كثيراً في الذود عن المبادئ التي يجسدها الدستور، ووفرت الخدمات لمن لا يستحق، وبهذا ساهمت في انتهاك القوانين التي من أبجديات واجباتها الدفاع القوي المؤثر عنها..

ولهذا صار نواب الخدمات يتجولون في الوزارات، في تحد معيب لكل ما نفتخر به، ويخرج علينا النواب مبتهجين بالأعداد الضخمة من المرضى المرسلين إلى الخارج في تجاوزات غليظة من وزارات الدولة..

وماذا عن الآخرين من النواب المراعين للدستور والعارفين بسطوة القانون، ويسمونهم نواب المواقف، فقد تضعضعت مساهمتهم في مداولات المجلس وتآكلت تأثيراتهم، وهم القلة المناصرون للمفاهيم التي أرادها الشيخ عبدالله السالم، وحافظ على هويتها نواب الموجات الأولى من حياة البرلمان.

كانت الخطمات والعطايا سلاح بعض الوزراء، وكان السخاء حامياً لبعضهم، مع ظاهرة الثراء المفاجئ لنواب الصفقات إلى حد أن تحول العمل النيابي إلى مناجم ذهب، وانفتحت الشهية، وأخطر ما تولد من هذا الوباء، اختفاء الحياء مع تصاعد المساومة على حجم الأسعار بعد أن تحولت هذه البلوى إلى واقع عادي.

ونتحدث هنا عن مرحلة نتصورها واعدة، مع فصل جديد يترأس فيه سمو الشيخ صباح الخالد مجدداً الرئاسة، وعليه أن يدرك بأن التوقعات منه تختلف عما رأيناه، فإذا كان العزم كما نأمل إغلاق بورصة المساومات ورفض تقليد الماضي، فلا شك بأن الرئيس بحاجة إلى وزراء يتناسبون مع هذا الفصل، في وضع سطوة القانون فوق كل اعتبار، والتناغم مع قراره في وداع أسلوب مغريات السخاء المالي.

ويدرك سمو الرئيس بأن الأمر الجديد يستدعي إشراك رجال الصمود المتمسكين بالقانون كوزراء يحملون أثقال المسؤولية بقناعة تمكنهم من صد كل المخالفات، والامتثال لقواعد العمل النظيفة، ولابد أن يعرف الرئيس حجم ثقة الشعب به وارتياحهم لوجوده في قيادة الوزارة، معتمدين على نظافته ونزاهته وعلى عزمه في سحب الكويت من التردد إلى الفعل المؤثر..

عرفت سمو الرئيس من زمالة عمل سنوات طويلة، وأقدر كفاءته، وأتمنى أن يفعل آليات التحاور مع الرأي العام ويحتكم عند الشدة إلى توجهاته، ولا ننسى أن قاعدة الحكم صرامة الانضباط وسطوة القانون..

نذهب للتصويت يوم السبت القادم من دون تردد، والأمل أن يشارك أكبر عدد من أبناء الوطن.

عبدالله بشارة

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking