من حيث الشكل هناك انتخابات برلمانية ستجرى في الكويت مطلع شهر ديسمبر، ولكن من حيث المضمون ليست هناك انتخابات بالمعنى السياسي، إنما هي في جزء كبير منها صراع مذهبي، وقبلي، وعائلي، تم الاضطرار له من أجل حصد أكبر قدر من الحظوة لدى السلطة الحكومية في الكويت، وذلك بسبب النظام الانتخابي الذي يشجع على مثل هذه الانقسامات.

تدمير الحياة البرلمانية في الكويت وللأسف أمر واقع يسير في خطين متوازيين، فهناك تدمير منظم يُمارس عبر العبث في آليات الانتخاب، وعبر التدخل بشكل شبه علني لدعم مرشحين خاضعين للحكومة.

وهناك تدمير آخر يتم من قبل مجاميع شعبية تريد أن تحافظ على مراكزها في منظومة السلطة الحكومية، وأسهل طريقة لضمان ذلك السيطرة على مقاعد البرلمان، ومن ثم رهن هذه المقاعد لتكون «تحت أمر» الحكومة.

هل الصورة تبعث على اليأس إلى هذه الدرجة؟

في الحقيقة الوضع السياسي في الكويت محزن بسبب قانون الصوت الواحد، وبسبب سيطرة البراغماتيين النفعيين على المشهد السياسي، وبسبب ندرة الصوت الإعلامي الواعي الذي يدافع عن الإصلاح ضد هجمات هؤلاء.

ولكن الصورة ليست يائسة، فلا يزال النظام السياسي في الكويت قادرا على مواجهة هؤلاء البراغماتيين النفعيين شريطة أن تتخلى التيارات السياسية والشخصيات السياسية المستقلة عن كسلها، وعن أنانيتها، وتقدم مبادرات سياسية حقيقية، وتتخلى عن ثرثرتها المتكررة التي تسمى تارة مبادرة وطنية، وتارة أخرى وثيقة وطنية، وتقدم بدلا من ذلك عملا سياسيا حقيقيا لا يغازل السلطة الحكومية ، ولا يهدف إلى التزلف لها.

الجسد السياسي الكويتي مصاب بالفطريات والدمامل التي لا تزال تحاول أن تجد لنفسها مكانا في هذا الجسد لتعتاش من خلاله، وتملأ وقت فراغها الطويل.

هذه الفطريات والدمامل لم تكن لتظهر في العلن لو كان هناك نظام انتخابي حقيقي لا يتيح لهؤلاء أي فرص للتنافس بتركيزه على العمل الجماعي الذي يستهدف المجموع، ولا يستهدف بشكلٍ نفعي وبراغماتي الأقليات المؤثرة في التصويت.

وهنا يبرز سؤال مهم آخر.

من هو الخاسر الأكبر من هذا الضعف البنيوي في النظامين السياسي والانتخابي في الكويت؟

البعض يعتقد أن التيارات السياسية وما يسمى بالمعارضة هي الخاسر الأكبر، والحقيقة إنه اعتقاد خاطئ، فالخاسر الأكبر هو الحكومة نفسها التي أعتقد أن كل أوراق اللعبة السياسية بيدها، فهذا الضعف كلفها الكثير لتحافظ على طبقة براغماتية نفعية لا يمكن أن تساند حكمها من دون مقابل مادي، ومقابل من النفوذ.

ولهذا نجد الحكومة، وفي كل وقت، منهكة ومتعبة، ولا تكاد تسيطر على وضع منفلت حتى يبرز وضع سياسي آخر أكثر انفلاتا.

كما أن الحكومة تخسر الرأي العام الكويتي دوماً لأنها وبتبنيها لهذا النظام السياسي والبرلماني الهش تتحمل بالتبعية مسؤولية كل خلل وأزمة، ولهذا رأينا وغير مرة كيف استطاعت سلطة الرأي العام الكويتي ممثلة بتغريدات المواطنين في تطبيق تويتر أن تتصدى لتوجهات وقرارات حكومية مدعومة من الأغلبية البرلمانية، وتتحول إلى النقيض.

هذا التردد الحكومي مؤشر واضح على أن الحكومة في الكويت تخسر شعبيتها، لأنها لم تراهن على خلق نظام سياسي وانتخابي مستقر قد يتيح ظهور معارضة قوية، لكنها معارضة يمكن التعامل معها وقت الأزمات لأن منطلقاتها وطنية، وهو ما لا تستطيع الحكومة الحصول عليه من البراغماتيين والنفعيين.

ولكن ما الحل لكل هذه المعضلات والأزمات؟

أحد الحلول المتاحة والضرورية أن يقوم الشباب الوطني الكويتي ببدء حملة إصلاح حقيقية لا تتطرف، ولا تتراخى، ولا تخضع للحكومة، ولكنها في الوقت نفسه لا تعاديها.

حملة إصلاحية تقوم على فكرة ان التغيير لا يتم بين ليلة وضحاها، انما يتم على مراحل عدة، أهمها مرحلة التنشئة السياسية التي تُعنى بتهيئة الجيل الشاب دستورياً، وقانونياً، وإجرائياً على الدفاع عن الدولة، وعن الدستور، وعن كل المبادئ التي تضمنها الدستور الكويتي، وأبرزها العدالة والمساواة، وحرية التعبير والفكر.

هذه الحملة الإصلاحية يجب أن تكون واضحة في تصديها لقوى الفساد على أن يتم ذلك وفق آليات دستورية، وقانونية، وسياسية، من دون السماح للموتورين، والمشبوهين، وعشاق الجدل بتسلق الخطاب الوطني.

داهم القحطاني

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking