الصحافة الأميركية حققت تحولاً بفضل تصديها لترامب

سايمون كوبر (فايننشيل تايمز) - ترجمة: محمد أمين -

حين قطعت شبكة «سي ان بي سي» مؤتمرا صحفيا للرئيس دونالد ترامب أثناء الانتخابات، ظهر الصحفي في الشبكة شيبرد سميث ليعلن: «حسنًا، نحن نقاطع هذا المؤتمر الصحفي، لأن جزءاً كبيراً مما يقوله رئيس الولايات المتحدة، ليس صحيحاً على الإطلاق»، في إشارة الى ادعاءات لا أساس لها حول التصويت غير القانوني. وفعلت شبكات أخرى الشيء ذاته. يجب أن يتردد صدى تصدي الصحافة للأكاذيب التي يُطلقها السياسيون، ولو جاء ذلك متأخراً، إلى خارج حدود الولايات المتحدة.

لقد كان مشروع ترامب أنجح مشروع للكذب السياسي في أية ديمقراطية حديثة. وسجلت مزاعمه المضللة أو الكاذبة التي يزيد عددها عن 22 ألف كذبة، كما وثقتها صحيفة واشنطن بوست، رقما قياسيا قد يعمّر لفترة طويلة بعده. على الجانب الإيجابي، علَم وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة كيفية التعامل مع السياسيين الكذابين في المستقبل. وأخيرًا بدأ فيسبوك وتويتر بوضع تحذيرات على منشوراته الزائفة. وربما كانت الصحافة الآن، بحاجة إلى اعتماد معايير الأدلة والاثباتات المعتمدة في المحاكم والعلوم.

في السنوات الخمس الأولى لترامب على المسرح السياسي، وقع الصحفيون في فخ تضخيم أكاذيبه. عندما أطلق ترشيحه في عام 2015 من خلال الادعاء بأن «المكسيك» كانت ترسل «مغتصبين« إلى الشمال، وكان الصحفيون لا يعلمون شيئا عن مدى صحة هذه الادعاءات، ولم يعرفوا كيف يتعاملون مع سياسي اختلق هذه الأخبار. كان السياسيون السابقون، وكثير منهم من خريجي القانون قد فضلوا حيلة المحامي باستخدام لغة معقدة ورقيقة للتشويش على الحقيقة. لذا في عام 2015، سمحت القنوات التلفزيونية لترامب بالاستمرار في ترويج الأكاذيب عن المهاجرين، دون أن يلاحظوا أن معدل الجريمة عند المهاجرين غير المسجلين أقل معدلات الجريمة لدى الأميركيين المولودين في الولايات المتحدة. ولما أدركوا ذلك، توقفوا عن تكرار ادعاءاته التي لا أساس لها.

صحافة كسولة

يعود السماح بمرور الأكاذيب، في جزء منه، الى الصحافة الكسولة، في مهنة تفضل الوصول إلى المعلومة على دقة هذه المعلومة. والأهم من ذلك، أن التلفزيون يحب اجتذاب المشاهير. فقد حرص رئيس CNN جيف زوكر على البث المباشر لتجمعات ترامب وألمح إلى تقديم عرض أسبوعي له. على الرغم من أن معظم وسائل الإعلام عارضت ترامب، إلا أنه من الصحيح أيضًا أن وسائل الإعلام صنعته. لا يزال التلفزيون، حتى مع انخفاض عدد المشاهدين، يوفر الكثير من المواد التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد سمحت وسائل الاعلام لأكاذيب ترامب –«مثل أوباما تجسس علي»، و«التصويت عبر البريد هو احتيال!» – بتصدر عناوين الأخبار. فبمجرد قضاء وسائل الإعلام وقتا طويلا في مناقشة ما إذا كان الكذب صحيحًا، فقد ضاعت الحقيقة بالفعل. ونادرًا ما يكون لنتائج تقصي الحقائق بعد الكذب تأثير الكذبة الأولية.

وبالرغم من كل الجلبة حول الروبوتات الروسية والمراهقين المقدونيين، فإن لأكاذيب ترامب الرئاسية قوة فريدة. وجدت دراسات أجرتها جامعتا هارفارد وكورنيل هذا الصيف أن ترمب هو المصدر الرئيسي للمعلومات المضللة في الولايات المتحدة. فقط بعد أن خسر الانتخابات، تلاحظ أنيا شيفرين من كلية كولومبيا للشؤون الدولية والعامة، تجرأت وسائل الإعلام على مصادرة مكبر الصوت الخاص به. أخيرًا، تتبنى الصحافة الأميركية النموذج العلمي والقانوني: تمامًا كما ترفض المحاكم والمجلات العلمية الادعاءات التي لا أساس لها، كذلك تفعل القنوات التلفزيونية الآن.

ست أكاذيب

النهج الصحفي الجديد ليس «قول الحقيقة للسلطة» بقدر ما هو «اجبار السلطة على قول الحقيقة»، وهذا يسمح للصحفيين بتغطية السياسات بشكل منصف. يمكن للسياسيين الترامبيين الظهور على شاشات التلفزيون للدعوة إلى بناء جدار حدودي مع المكسيك أو اجراء تخفيضات ضريبية للأثرياء. هم فقط لا يستطيعون أن يكذبوا. ولا ينبغي أن يحصلوا على وقت على الهواء لإنكار التغير المناخي أو التحذير من اللقاحات، ما لم يكن لديهم دليل علمي على ذلك. والشيء المثالي، هو ألا تتم دعوة أي شخص ينشر الأكاذيب، للتحدث مرة أخرى.

يتطلب النموذج العلمي-القانوني أن يستعد الصحفيون التلفزيونيون مثل المحامين في المحكمة. إذا حشر أحد السياسيين ست أكاذيب في مقابلة مدتها 90 ثانية، فيجب أن يتم إحاطة الصحفي علماً بذلك لكي يضبطهم متلبسين، لأن معظم المشاهدين لا يمتلكون المعلومات وبالتالي، لا يستطيعون التمييز بين الأخبار الحقيقية والأكاذيب. يصبح إجراء مقابلة مباشرة عملية محفوفة بالمخاطر: في اللحظة التي يدعي فيها صحفي خطأً أن أحد السياسيين مخطئ، تنطلق صرخة «أخبار كاذبة».

دليل ضعيف

تخيل كيف أدى هذا النموذج إلى تحسين النقاش قبل الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لم يكن الصحفيون ليكرروا الادعاء بأن المملكة المتحدة «ترسل» 350 مليون جنيه إسترليني إلى بروكسل كل أسبوع. لكن إسكات الأكاذيب ليس سوى البداية. ويعني النموذج القانوني العلمي أيضًا التقليل من شأن المزاعم التي يكون الدليل فيها ضعيفًا.

لا يمكن للصحافة الجديدة اصلاح الضرر الذي أحدثه ترامب. فمنذ عام 2015، استوعب الجمهوريون أكاذيبه وأصبحوا متشبثين بها عاطفياً. ويبدو الآن أن معظم ناخبيه يصدقون مزاعمه (التي رفضتها المحاكم) بأن الانتخابات لم تكن نزيهة. ويتجه بعض الجمهوريين إلى وسائل التواصل الاجتماعي اليمينية المتطرفة التي تتسامح مع الكذب. ومع ذلك، فإن النهج العلمي القانوني للصحافة يمكن أن يحبط أي ترامب مقبل. فإذا أنكر الصحفيون على السياسيين الكذب، فسوف يحفزونهم على قول الحقيقة. وهذا قد يعزز الثقة بين الجانبين.

الاختبار المقبل للصحافيين قد يأتي حين تطرح إدارة بايدن اللقاح الجديد ضد فيروس كورونا، ويحذّر ترامب الناس من أخذه. سنعرف ما إذا كنا تعلمنا الدرس ونضجنا، إذا امتنع جيف زوكر (سي ان ان)، عن بث حديث ترامب على الهواء مباشرة، أم لا.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking