فاتورة تجاهل «تخفيض التصنيف».. تتفاقم

سالم عبدالغفور -

في الوقت الذي تشتد فيه أزمة السيولة، تتفاقم فاتورة تجاهل أسباب تخفيض التصنيف السيادي للكويت 3 مرات خلال 6 أشهر، التي قد تعقبها تخفيضات جديدة في حال استمرار التجاهل الحكومي لمعالجة المسبّبات، ما يزيد مخاطر خروج الاستثمارات الأجنبية الحالية، ويحد من استقطاب جديدة.

وعلى الرغم من الانعكاسات السلبية على تكلفة حصول الدولة والقطاع الخاص على تمويل من أسواق الدين العالمية كإحدى نتائج تخفيض التصنيف السيادي، فإن وزارة المالية لا تزال في غيبوبة اقتصادية إذ لم تكترث حتى اليوم لتداعيات التخفيض الثقيلة، ما يطرح الكثير من التساؤلات، منها: إلى متى تستمر في تجاهل مخاطر التعرّض لمزيد من التخفيض؟ ومَن يدفع فاتورة هذا التأخير؟ الجواب واضح، الفاتورة سيدفعها كل مواطن يعيش تحت تهديد انقطاع راتبه، وكل شركة كبيرة أو صغيرة قصرت الحكومة في مساعدتها على مواجهة التداعيات الكارثية لأزمة «كورونا»، ناهيك عن الشركات التي بات مستقبلها مجهولاً، على وقع التراجع الحاد في الإنفاق الاستثماري للدولة.

وفي ظل هذا المشهد، يرى اقتصاديون أن العلاج يتطلب تمرير قانونَي «الدين العام» و«الاقتراض من الأجيال» بمرسومَي ضرورة، مبررين ذلك بأن الثاني سيكون بمنزلة جسر تمويلي لحين إقرار الأول.

وشددوا على ضرورة الشروع في تنفيذ برنامج اقتصادي إصلاحي واسع لتقليص الإنفاق الحكومي ومراجعة التوظيف بالقطاع العام، مستغربين غياب إرادة الإصلاح الاقتصادي عن الحكومة وبرامج مرشحي مجلس الأمة!

مواطن الخلل

1 - الانخفاض الحاد في أسعار النفط

2 - تباطؤ وتيرة الإصلاحات

3 - محدودية التنويع الاقتصادي

4 - تأخر تطوير سوق العمل

5 - تراجع سيولة الاحتياطي العام

6 - التعديل غير المنضبط للإنفاق الحكومي

7 - عدم إصدار قانون الدين العام

8 - تقييم ضعيف لقوة حوكمة المؤسسات 

مختصر مفيد

لا خيار أمام الحكومة سوى النأي بالقرار الاقتصادي عن المساومات السياسية ودهاليزها.. وإلا فالأسوأ قادم.


فيما يلي التفاصيل

شهدت الكويت تخفيضات متوالية للتصنيف السيادي اعتباراً من مارس الماضي، على وقع انخفاض أسعار النفط وتراجع مستويات السيولة وتباطؤ وتيرة الإصلاحات الاقتصادية وتأخر تطوير سوق العمل، ومن وقتها إلى اليوم لم تحرِّك الحكومة ساكناً.

فقد خفضت «ستاندرد آند بورز» التصنيف السيادي في مارس الماضي من AA إلى المرتبة AA- مع نظرة مستقبلية مستقرّة، قبل أن تعود في منتصف يوليو إلى تغيُّر النظرة المستقبلية من «مستقرة» إلى «سلبية»، وما لبثت وكالة موديز أن قررت في سبتمبر 2020 تخفيض تصنيف الكويت من AA2 إلى A1، مع نظرة مستقبلية مستقرة.

وقد سبقت قرارات خفض التصنيف تحذيرات كثيرة من قبل الوكالات العالمية من أن تصنيف الكويت مهدد وقد يتم تخفيضه، ولم تستجب الحكومة، فضلاً عن سلسلة من الصرخات التي أطلقتها التقارير المحلية والاقتصاديون الكويتيون، قبل ذلك بسنوات محذرين مما نراه اليوم، من دون الالتفات إليهم، اعتماداً على الفوائض المالية المتراكمة.

الأسئلة التي تطرحها نفسها اليوم، إلى متى تستمر الحكومة في تجاهل التداعيات السلبية لقرارات تخفيض التصنيف وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد؟ وما مخاطر استمرار الأوضاع على ما هي عليه من دون التحرك لمعالجة الأسباب؟ ومن يدفع فاتورة هذا التأخير؟

الواقع يقول إن الفاتورة يدفعها كل مواطن يعيش تحت تهديد انقطاع راتبه، وكل شركة كبيرة أو صغيرة قصرت الدولة عن مد يد العون لها للمساعدة على مواجهة التداعيات الكارثية لأزمة كورونا نتيجة عجز الموازنة وشح السيولة، ناهيك عن الشركات التي بات مستقبلها مجهولاً، على وقع التراجع الحاد في الانفاق الاستثماري للدولة، الذي يعتمد عليه القطاع الخاص بشكل شبه كلي.

النتائج شهدتها البنوك المحلية بشكل فوري عقب تخفيض تصنيفاتها من قبل وكالات التصنيف العالمية، ما رفع تكلفة التمويل عليها، ذلك لأن الوكالات العالمية لا يمكنها أن تمنح البنوك تصنيفات أعلى من الدولة، على الرغم من أن أوضاع البنوك أكثر من ممتازة قياساً مع مصارف المنطقة.

أزمة توظيف

التداعيات الأكثر ألماً قد يلمسها الخريجون الجدد عندما يتأخر توظيفهم، نتيجة عدم قدرة الجهاز الحكومي على استيعاب المزيد من الكوادر الوطنية، وتضخم بند الرواتب بشكل كبير، وفي المقابل لا يمكن للقطاع الخاص توفير وظائف بديلة، إما لأن تداعيات التضييق الحكومي عليه لعقود والتي لا تخطئها عين أنهكته، وإما لأنه قد تعرّض لضربات موجعة من أمواج أزمة «كورونا» حين تخلت عنه الدولة، على عكس ما فعلته أغلبية دول العالم.

كل هذا قد يجعل المجتمع بالكامل من حكومة ومجلس أمة، مستقبلاً أمام قرارات صعبة وبكلفة أعلى من تلك التي كان يمكن اتخاذها قبل «كورونا»، وبالطبع كان من السهل تطبيقها قبل دخول الموازنة في العجز المدقع بسهولة أكبر.

التكلفة تتزايد

إلى ذلك، قال العضو المنتدب الأسبق للهيئة العامة للاستثمار، رئيس مجلس الإدارة السابق لبنك الخليج، علي رشيد البدر: إن تخفيض التقييم يؤثر سلباً في تكلفة اقتراض البنوك والشركات الكويتيه الكبرى من الخارج ويرفع تكلفة الافتراض الأجنبي لدولة الكويت عند اصدار قانون الدين العام.

وأشار البدر إلى أن هذا التقييم المتراجع لن يتوقف أو يتحسّن إلا إذا سارعت الحكومة بتقديم مشاريع إصلاح شجاعة وجذرية للاقتصاد، مع توقف أنشطة الصرف والهدر في المصروفات، وتشجيع رؤوس الأموال الوطنية في الاستثمار المحلي، للتخفيف من الأعباء الحاليه للدولة.

وشدد البدر على أن أي تأخير في انجاز تلك الاصلاحات سيعمّق من المصاعب الحالية التي تواجه الكويت، ويعمق الخسائر بمرور الوقت، داعياً إلى التحرّك السريع والفاعل.

شهادة رسوب 

قال رئيس مجلس إدارة شركة الشال للاستشارات جاسم السعدون: إن التصنيفات من قبل وكالات التصنيف العالمية، نتيجة وانعكاس لعمل الحكومة، وتخفيض تصنيف الكويت لمرات متتالية شهادة بأنها رسبت في الاختبار.

وأشار إلى أن الأداء الحكومي كان عاجزاً في التعامل مع تداعيات أزمة «كورونا» وانخفاض أسعار النفط، وهو ما عكسته وكالات التصنيف، ملمحاً إلى أنه عندما انخفضت أسعار النفط إلى 25 دولاراً كمتوسط للربع الأول في السنة المالية، كل ما فعلته الحكومة تخفيض النفقات بقيمة 4.2 % باقل من مليار دولار.

وأضاف أن الحكومة في سبيل معالجة أخطائها ، سحبت من صندوق احتياطي الأجيال عبر بيع أصول عليه من الاحتياطي العام ،مشيراً إلى شبهة دستورية تشوب سحب الحكومة بأثر رجعي ما حولته خلال ال 3 سنوات الأخيرة بآثر رجعي ، وهذه سابقة خطيرة اذ تم السكون عنها تعطي  الحكومة الحق بسحب المزيد .

وأشار إلى أن المسؤولية تكون بقدر السلطة، مبينا أن الحكومة ومجلس الأمة هما من يمتلكان السلطة ويتحمّلان نتيجة كل التداعيات السلبية التي تشهدها الكويت.

الاستثمارات الأجنبية

من جانبه، قال رئيس اتحاد المصارف السابق عبدالمجيد الشطي: إن استمرار الأوضاع على ما هي عليه من شأنه زيادة التكلفة بشكل كبير على الدولة، التي ستقترض بتكلفة أعلى بعد تخفيض تصنيفها، كما ستدفع المؤسسات والبنوك المحلية فوائد أكبر للحصول على التمويل.

وأشار إلى أن المزيد من تخفيض تصنيف الكويت قد يهدد بخروج الاستثمارات الأجنبية القائمة، ويحد من دخول استثمارات جديدة، لا سيما أن المستثمر الأجنبي يضع الاستقرار المالي للدولة التي يرغب الاستثمار فيها في مقدمة أولوياته.

ودعا الحكومة إلى عدم التردد واتخاذ قرارات جادة وسريعة للتعامل مع هذا الملف، مؤكداً أنه لم يعد في الوقت متسع؛ فقد نفد الاحتياطي العام أو يوشك على ذلك، ولم تجدِ الحلول المؤقتة نفعاً في تدعيمه.

وأشار إلى أن الإصلاحات الجذرية مستحقة، سواء كان النفط فوق 100 دولار أو انخفض دون 20 دولاراً، مستطرداً «لا تعولوا على النفط فقد انخفضت الأسعار إلى الصفر في العقود الآجلة منذ أشهر».

تخفيض التصنيف

من جانبه، أشار الرئيس التنفيذي السابق لشركة المركز المالي مناف الهاجري إلى أن الإنفاق الحكومي هو سبب العجز والنزيف المستمر للموازنة، داعياً إلى تخفيض الإنفاق الحكومي من جانب ومراجعة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في ما يخص التوظيف.

واقترح وضع برنامج لتخفيض التوظيف في الحكومة تدريجياً، مع تفعيل دور القطاع الخاص بشكل حقيقي بما يزيد من دوره في التنمية، ملمحاً إلى أن توظيف المواطنين في القطاع الخاص مطلوب، ولكن ليس من خلال فرض نسب التكويت، بل من خلال توفير المشاريع التي تخلق الحاجة الفعلية للوظائف.

وأكد أن هذا البرنامج يتطلب وجود شبكة رعاية اجتماعية فاعلة، مع حلول حقيقية لأزمات مستعصية منها على سبيل المثال تحرير الأراضي السكنية لتوفير قسائم للمواطنين يطورها القطاع الخاص لتطويرها، ما يزيد قدرته على توفير الوظائف.

إرادة الإصلاح غائبة

بدوره، قال رئيس مجلس إدارة البنك التجاري سابقاً علي الموسى ان عدم التحرك الحكومي لمواجهة تداعيات تخفيض التصنيف تعكس عدم وجود إرادة للإصلاح، مستغرباً من غياب الوضع الاقتصادي المتردي عن برامج مرشحي مجلس الأمة. وأشار إلى أن الأزمة الاقتصادية وتخفيض التصنيف السيادي وتداعياته يجب أن تكون قضية مجتمعية وتتطلب تعبئة عامة، فهي قضية تهم الجميع، وليس المعني بها الحكومة فقط، ولكن «لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي».

وأضاف: صحيح العلاج يحتاج إلى وقت لكن علينا على الأقل أن نبدأ، محذراً من أن من يراهن على الوقت في تجاوز الأزمة واهم، ومن يعول على عودة أسعار النفط إلى مستويات تعيد الموازنة إلى عصر الفوائض بعيد عن الواقع.


وقال الرئيس التنفيذي الأسبق لبنك الخليج والرئيس لمكتب الاستثمار الكويتي في لندن سابقا د. يوسف العوضي: على الحكومة اتخاذ موقف حاسم وواضح لطمأنة وكالات التصنيف العالمية التي اتهمتها بأنها لا تملك رؤية واضحة في معالجة العجز المالي على الرغم من القدرة المالية الهائلة للدولة.

وطالب العوضي الحكومة بإصدر مرسومي ضرورة قبل انعقاد مجلس الأمة المقبل، الأول: قانون الدين العام، والثاني: السماح للحكومة بالاقتراض من صندوق احتياطي الأجيال لتمويل الاحتياطي العام.

وأوضح أن القانون الثاني الخاص بالاقتراض من احتياطي الأجيال يستهدف توفير التمويل الجسري للموازنة لحين انتهاء إجراءات الاقتراض من الأسواق العالمية، مبيناً أن إجراءات الاقتراض الخارجي تتطلب على الأقل نحو 3 إلى 4 أشهر.

وشدد على ضرورة التحرك بالتوازي مع ذلك نحو تقليص المصروفات الحكومية وزيادة الايرادات، منوهاً إلى ان الحكومة لم تبد سابقاً المرونة الكافية في إحداث إصلاحات جذرية تتعلق بهذين الأمرين.





تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking