يقال إن صحافياً سأل زعيم التبت الروحي «ﺍﻟﺪلاي ﻻﻣﺎ» عما سيكون رد فعله ﻟﻮ قام ﺷﺨﺹ برمي ﻛﺘﺎب ﺑﻮﺫي مقدس ﻓﻲ ﺍﻟمجاري؟

فأجاب الدلاي لاما بأن أﻭﻝ ﺷﻲﺀ ﺳيفعله ﻫﻮ الاتصال ﺑﺴﺒَّﺎﻙ لإخراج الكتاب كيلا تتعطل المجاري! وأضاف: إن ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ يقوم شخص بتفجير تمثال ﻟﺒﻮﺫﺍ، ﺃﻭ ﺤﺮﻕ معبد ﺑﻮﺫي ﺃﻭ ﻘﺘﻞ ﺭﻫﺒﺎن ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺑﻮﺫﻳﻴﻦ، وﻟﻜﻨﻲ ﻟﻦ ﺃﺳﻤﺢ لمن يرتكب ذلك ﺃﺑﺪﺍً أﻥ يجرنا لكي ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ كديانة عنيفة! فمن ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﻛﺘﺎﺑﺎً ﻣﻘﺪﺳﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻟﻜﻨﻚ ﺃﺑﺪﺍً ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ولا ﺍﻟﺴﻼﻡ ولا ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻴﻬما هناك. فالكتاب ﻟﻴﺲ ﻫﻮ «ﺍﻟﺪﻳﻦ» ولا ﺍﻟﺘﻤﺜﺎﻝ، ﻭلا ﺍﻟﻤﻌﺒﺪ، فهذه ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ «ﺣﺎﻭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻦ»، وليس الدين نفسه الذي لا يمكن أن يتأثر بمثل هذه التصرفات. فنحن ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻃﺒﺎﻋﺔ ﻛﺘﺐ ﺃﻛﺜﺮ، ﺑﻨﺎﺀ ﻣﻌﺎﺑﺪ ﺃضخم، وﺗدريب ﺭﻫﺒﺎﻥ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ، وﻟﻜن عندما ﻧﻔﻘﺪ ﺣﺒﻨﺎ وﺍﺣﺘﺮﺍﻣﻨﺎ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ولأﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﻧﺴﺘﺒﺪﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺳتضيع الأرواح وسيضيع الدين وتضيع معه الأخلاق، ولا يمكن تعويض ما فقدنا!

كلام «الدلاي لاما» ذكرني باللافتات التي يحملها المتظاهرون المسلمون في أوروبا، التي كتب عليها: سنقطع رأس كل من يتهم ديننا بالعنف!!

***

وفي تغريدة للروائي السعودي تركي الحمد، طرح تساؤلات تتعلق بحاجتنا الماسة الى تنقيح التراث والنصوص الدينية، فبقاء الحال من المحال، في أي زمن أو مكان.

فنحن، كشعوب عربية، ومسلمة بالذات، نعيش في بحور من التناقض بين ما تتطلبه الحياة العصرية من الفرد، وما تفرضه النصوص عليه أو حسب فهمه لها. فما كان مطلوباً وطبيعياً ومقبولاً قبل مئة عام فقط، دع عنك قبل أكثر من ألف عام، أصبح غريباً أو غير عملي ولا قابلاً للتطبيق بتاتاً، ومع هذا نصر، ظاهرياً فقط، على التمسك بها، ونحن أعلم من غيرنا بأن الحقيقة غير ذلك تماماً، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

وتأتي المطالبة بالتمسك بهذه الأمور، ولو شفاهة فقط، ليس عن اقتناع، بل خوفاً من أن تعديلها سيجر لتعديل غيرها، وهذا الإصرار على أمر غير منطقي هو الذي يجعلنا نستمر في العيش في تناقضاتنا وحيرتنا.

ففي معرض حديث «الحمد» عن الأزمة التي أثارتها رسوم النبي محمد في فرنسا، دعا إلى نقد «التراث الذي وفّر المادة الحية لهذه الرسومات، وعلى رأسها صحيح البخاري»، حسب تعبيره! ولم يجد من ردوا عليه غير اتهامه بالتآمر على الإسلام، الذي نسيء له إن اعتقدنا أن تغريدة أو موقفاً شخصياً يمكن أن يؤثر فيه أو المليار من اتباعه، علما بأن التساؤل عن مدى دقة بعض ما ورد في البخاري كان موضوعاً تطرق له وأثاره أئمة وشيوخ دين، من الأزهر والمغرب وتونس وغيرهم الكثير، ونقد مثل هذه الأمور يجب ألا يعتبر، بأي حال من الأحوال، ازدراء للدين، بل هو نوع من النقد البناء، لكلام لا يعتبر منزلاً ولا قائله معصوماً من الخطأ. فتقديس البخاري أصبح مسألة متعبة نفسياً للكثيرين، خاصة مع الإصرار على التمسك بثقافة النقل وتقديمها على العقل، في عصر لا يعرف غير المنطق ولا يحكم غير العقل في شؤون دنياه.

أحمد الصراف

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking