في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تحتاج أن تظهر أمام المعارضة ومنتقديها أكثر قوة وتماسكاً في ظل هذه الأزمة، جاء انتقاد محافظ البنك المركزي لوزير المالية في سبتمبر الماضي عبر الصحف خاطئا وفي غير محله ومؤثرا في هذا التماسك، كل ذلك بدعوى ضرورة إجراء إصلاحات مالية مدروسة وصحيحة لتعزيز الاستقرار المالي، وكأن هذه الإصلاحات مسؤولية وزير المالية وحده، في حين انها مسؤولية حكومة بأكملها. إن هذه السابقة للانتقاد غير اللائق لم تصدر عن أي محافظ سابق للبنك المركزي، ليتبادر لأذهاننا للوهلة الأولى أن هذا التصرف اللامسؤول بانتقاد مرؤوس لرئيسه، الذي يفترض أن يتم داخل مكاتب مغلقة، هو بسبب توقعات البعض بسقوط الوزير وتوافر الفرص لاقتناص البطولات، ولكن خيبة الأمل قد أدت إلى ثبات الوزير في هذه المرحلة واستمراره وبشكل أكثر قوة.

لقد تلقت الصحافة والمراقبون بالساحة المحلية، ونحن أحدهم، انتقاد المحافظ العلني للوزير، بتأويلات لم تكن لمصلحة الحكومة، إلا أن قرارات وزير المالية الأخيرة بشأن قبول استقالات وكلاء وزارة المالية، والتي يعتقد أنها لم تكن لتتم لولا تأييد ودعم رئيس الوزراء، قد اعادت لدينا الثقة بإمكانية عودة الحكومة بشكل أقوى لإرساء دعائم المواجهة بهذه المرحلة.

إننا في كل محطة انتقدنا فيها أداء المحافظ بدءاً من أغسطس الماضي بالمطالبة بإقالته على ضوء ما شهدناه من انحدار بالأداء بعد فضيحة غسل أموال الصندوق الماليزي والمشاهير، ومحاولات التنصل من المسؤولية لما يبدو فشلاً بالدور الرقابي المنوط بالبنك المركزي، إضافة لما شاهدناه من ضرب عرض الحائط بثلاث فتاوى صادرة عن أعلى هيئة إفتاء بالدولة، بعدم جواز إلزام البنوك والشركات الإسلامية بالتنازل عن مقدار العائد المستحق عن الفترة المتبقية إعمالاً بقاعدة «ضع وتعجل» وتحويلها إلى شبه ربوية، مما اضطرنا الى رفع دعوى لإبطال ذلك.

غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد كتبنا في اكتوبر الماضي «مثالب جسيمة بقرار الهيئة الشرعية للمركزي»، لما احتواه ذلك القرار من اعوجاج في التعاطي مع المفاهيم المعمول بها عند تشكيل الهيئات الشرعية، حيث تم تعيين نصف الأعضاء ممن هم ليسوا من أصحاب الاختصاص، إضافة لما ذكرناه في مقال آخر بعنوان «الطعن بتشكيل الهيئة الشرعية للبنك المركزي» لأنه لا يمكن السكوت عن هذه الممارسات اللامهنية في أحد أهم القطاعات المالية ذات الخصوصية في السوق المحلي، مما اضطرنا الى رفعنا لدعوى أخرى لمواجهة هذا العبث الممنهج.

إن إصرار «المركزي» على تطبيق الشروط الواردة في القرار المعيب رقم 78/‏449/‏2020 بأسلوب غير مهني، يجعلنا أقرب لمقولة «شر البلية ما يضحك»، فلك أن تتخيل أن تقوم هيئة شرعية نصف أعضائها لا يحملون مؤهلا أكاديميا شرعيا، أحدهم إحصائي وآخر محاسب، أن يقرروا كفاءة أو عدم كفاءة علماء وفقهاء أعلام من حملة شهادات أكاديمية عليا وأصحاب خبرات لعقود من الزمن بنوا فيها أكبر الهيئات الشرعية في أكبر المؤسسات الحكومية والخاصة! فعلى سبيل المثال كيف يقرر إحصائي ومحاسب أهلية وعدم أهلية تعيين علماء وفقهاء أعضاء في هيئة رقابة شرعية، أمثال فضيلة الدكتور خالد المذكور والاستاذ الدكتورعجيل النشمي أو الاستاذ الدكتور محمد الطبطبائي؟ بل هل تتخيل أن يقوم إحصائي ومحاسب بقبول أو رفض تعيين دكاترة أعضاء هيئة شرعية أمثال رئيس قسم الفقه أو رئيس الفقه المقارن بجامعة الكويت؟ أما المضحك فأن يكون للعميد المساعد لشؤون الطلبة، وهو عضو في الهيئة الشرعية العليا بالبنك المركزي، الصلاحية برفض أو قبول تعيين رئيسه، عميد كلية الشريعة، في هيئة شرعية!

نحن نعتقد أنه لا يصح للمركزي أن يقيم أهلية من هم ليسوا أصحاب اختصاص أو من هم أدنى درجة علمية لمن هم أعلى منهم في مجال تخصصهم، كما لا يصح أن يقيد الجمعيات العمومية صاحبة السلطة في القرارات ذات الصلة بنشاط مؤسساتها، ولها الحق وفق أحكام هيئة أسواق المال باختيار أعضاء هيئاتها للرقابة الشرعية! فهل الهدف مما يقوم به المركزي هو لممارسة الضغوط للتحكم في قرارات الهيئات الرقابية الشرعية وليّ أعناق فتاواهم؟!

لتتضح لنا هذه الإسقاطات التي يجب عدم السكوت عنها حتى يتم تصحيح مثالب قرارات محافظ البنك المركزي.

***

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

بدر خالد البحر

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking