المحار، ارتبطت هذه الكلمة بأهل الكويت قديماً حياة وأملاً، فقد توجه أهل الكويت من الرجال والشباب الطامحين في رغيد العيش إلى البحر، يبحثون عن المحار وما يخفيه من لآلئ هي غاية المراد، وحلم يراود كل طامح، فركبوا سفائن الغوص، وتكلفوا الصعاب، ورحلوا إلى المجهول والأمل يحدوهم للفوز بالغنيمة التي تعز على طالبها.

ولن ندخل في التفاصيل خشية التكرار والسآمة، لأن الكثير من الباحثين في الكويت والخليج العربي كتبوا وأبدعوا في تفاصيل مهنة الغوص، وعلى رأسهم المؤرخان الفذان الأستاذ سيف مرزوق الشملان، والدكتور يعقوب الحجي. لكننا نقول إن «فلق المحار» هي غاية النهاية في رحلة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، لأن المحار هو المقصد، والجائزة الكبرى هي الفوز باللالئ التي أثمنها وأغلاها «الدانة»، وهي كبيرة اللآلئ وجميلة الجميلات، وعروس الرحلة، وعروس البحر التي يبحث عنها كل غواص وكل طواش وهو تاجر اللؤلؤ، وكل نوخذة وهو ربان سفينة الغوض.

وقد يتكلف من يذهب في رحلة الغوص ديناً لا يستطيع سداده في سبيل الاستعداد والتجهيز وفي أثناء الرحلة. لذا عليه ومن معه بذل كل جهد أثناء رحلة الغوص على اللؤلؤ. هموم كثيرة، والأمل هو الدافع الحقيقي وراء ذلك كله.

«فلق المحار» عبارة تردد في أذهان أهل الكويت حتى النساء القابعات في البيوت في ذاك الزمان، لأنهن يتمنين لو قامت إحداهن بهذه المهمة، وبحثت عن عروس البحر «الدانة». و«المفلقة» سكين معكوف نصلها، ذلت مقبض خشبي صممت خصيصاً لفلق المحار، وسميت كذلك لأنها تفلق المحارة فلقتين، ثم يشرع الفالق لها بالبحث عمّا في داخلها، يعرف المفلقة الصغار والكبار ممن ارتبطت حياة أجدادهم وآبائهم بالبحر، وأزعم أن الكثير من أبناء أهل الكويت حتى الذين لم يدخلوا البحر ولم يمارسوا حرفة الغوص عن اللؤلؤ قد قاموا بفلق المحار، فالآباء الذين ارتبطت حياتهم بالبحر كانوا أيضاً بين الحين والآخر يشترون المحار من سوق المحار، ويجلبونه إلى بيوتهم حيث يتولى أفراد المنزل ذكوراً وإناثاً فلق المحار والبحث عن اللؤلؤ.

وبحارة سفن الغوص كانت فرحتهم جلها عندما يمارسون «فلق المحار» بعد أن تضافروا جميعاً على حيازة أكبر قدر منه، وينتظرون بشغف نتيجة كدهم وجهدهم، وغاية مطلوبهم، وهو الفوز باللآلئ التي قد تغير مسار حياتهم من عسر إلى يسر، ومن فقر إلى غنى.

يبقى «فلق المحار» ذكرى عبقة للجيل الأول من أهل الكويت ومن عايشهم، وإن أغلق اليوم «سوق المحار» بحجة شرعية لأنه يدخل في باب المقامرة، لكنه لا ينسى في ذاكرة تاريخ الكويت البحري.

د. سعود محمد العصفور

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking