من الأمور الكثيرة التي همّشها، أو قضى عليها أو خرّبها بصمت، وزير الإعلام المستقيل، إما منفرداً، وإما بمباركة حكومية، لا فرق، «مجلة العربي»، التي كانت وجه الكويت المشرق على مدى أكثر من نصف قرن، مثلما همّش وخرّب فرقة التلفزيون، وشبه قضى على دور المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وتفّه دور التلفزيون كوسيلة إعلامية مهمة ونفّر الناس من الإذاعة.

* * *

ارتبط اسم مجلة العربي بالكويت منذ استقلالها، وأجزم بأن دورها لم يقل عن دور المساعدات السخية التي كانت الكويت تقدمها للشقيقات، والتي ضاعت آثارها، وبقي أثر «العربي»، ولكن يبدو أن النسيان سيطويها مثلما طوى بقية منشوراتها الدورية؛ كالعربي العلمي وكتاب العربي، ومجلة العربي الصغير.

* * *

انطلق إصدار المجلة عندما قررت الحكومة الكويتية نشر مجلة تعنى بالثقافة العربية، واختير د.أحمد زكي رئيساً لتحريرها عام 1958 الذي اختار أوسكار متري والصديق سليم زبال للالتحاق بها. كما سعى زكي لمشاركة أبرز الأدباء والشعراء والعلماء والمفكرين العرب في وقته، مثل: طه حسين، عباس محمود العقاد، نجيب محفوظ، نزار قباني، عبدالهادي التازي، إحسان عباس، يوسف إدريس، صلاح عبدالصبور، جابر عصفور، فاروق شوشة، وغيرهم، في الكتابة فيها، فأصبحت منذ صدورها رمزاً ثقافياً متميزاً، ومع مغادرة الأستاذ سليمان العسكري، بدأ عهد الانحدار، مع الاحترام لمن جاء بعده، فأنا أتكلم عن سياسة الحكومة، وليس عن أشخاص.

كما كانت «العربي» تقيم ندوات بشكل دوري، تتمحور حول مواضيع مهمة يدور فيها النقاش، حول أبحاث وأوراق مقدمة من الخبراء والأكاديميين المعنيين بالشأن العربي، وتوقف هذا منذ زمن، مع شح الميزانية غالبا. وسبق أن تحسّرت الزميلة، الشاعرة، سعدية مفرح على وضع «العربي»، والتي كانت يوماً من أكثر محرريها نشاطا، حيث رعت حملة بعنوان «أنقذوا العربي»، وفوجئت بطوفان التغريدات التي أغرقت موقعها على «تويتر»، متعاطفة مع حملتها، وبدا لها وكأن كل من كتب لها يحاول أن ينقذها بكلماته، وبتذكّر حكايته، أو حكاية والده، أو والدته أو جده أو جدته مع «العربي»، وكأن لكل قارئ لـ«العربي» بداية مميزة، وحكاية لا تنسى معها، والتي كانت يوماً مشروعاً حضارياً واسع المدى. فهي لم تكتف بالمحافظة على تألّقها لأكثر من نصف قرن، ولم تتخلَّ، كما تقول الزميلة سعدية، عن تقاليدها في التحرير والكتابة واختيار الموضوعات وارتياد المناطق غير المكتشفة على نطاق واسع، بل بقيت شابةً قبل أن يدب الهرم بين صفحاتها، وعانت من الوهن المباغت الذي استشعره قراؤها الأوفياء. وها هي الآن تقف على بعد خطوات من الموت النهائي، بعد فترة احتضار موجعة لها، ولأهلها ولقرّائها، فقد قلّصت الأعداد المطبوعة منها إلى أقل من النصف، وتوقف موقعها الإلكتروني، وأُهملت استطلاعاتها الفريدة.

أما لماذا تدهورت أحوال المجلة التي كانت حضناً دافئاً لأقلام أهمّ المفكرين والكتّاب والشعراء؟ فجوابه عند من فرّطوا بكل إرثنا الثقافي لحساب الدولة الدينية، الخاوية من أي عمق.

أحمد الصراف

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking