جميل جداً تحرك العديد من الجهات الحكومية وسعيها الحثيث نحو التحول الرقمي في تنفيذ معاملات المستفيدين. أجمع الكثيرون على أن هذا من صنع فيروس كورونا وما فرضته الجائحة من تغييرات جذرية في حياتنا اليومية، فرب ضارة نافعة! شكراً كورونا لإحداث نقلة نوعية في تقديم خدمات رقمية طالما كنا نحلم بها رغماً عن أنف من كان لا يريد هذه النقلة، واستمتاعه بذلّ الناس وتعطيل معاملاتهم وتقديم أسوأ التجارب لمن لا سند أو «واسطة» له لتخليص معاملته. نبارك للمستفيدين هذا النصر العظيم في سبيل تيسير أعمالهم وجعل الجهات العامة في خدمتهم.

لكن، لسان حال البعض يقول «يا فرحة ما تمت»!، هناك البعض من الجهات والموظفين من لا يزال يتفنن بالتعنت والتعسف في خدمة المواطنين، وينسى أن دوره ووظيفته العامة هي لخدمة الناس. للأسف وبكل عنجهية تقوم فئة قليلة من هؤلاء الموظفين، بالتحجج بالرقمنة لتعطيل الناس وخدمتهم. يبادرونك «أخوي، حاجز موعد أونلاين؟» بينما هو جالس في مكتبه من غير مراجعين أو عمل يذكر! نعم المواعيد لتفادي الزحام وتحقيقاً للاشتراطات الصحية، لكن ألم يكن الأجدر أن أقوم بمعاملتي من أي مكان ومن خلال ضغطة زر من غير الحاجة للقدوم أصلاً؟! الأقبح من ذلك ما نشرته جريدة القبس منذ فترة في خبر صحافي عن معاناة بعض كبار السن في الحصول على الرعاية الصحية بحجة ضرورة حجز موعد على الانترنت قبل زيارة الطبيب! نتساءل: هل من طرق أخرى لمساعدة الناس مثل الاتصال بخط ساخن لحجز الموعد؟ نحن هنا لا نعمم، لأنني رأيت بأم عيني أبطال الجيش الأبيض يقومون بمساعدة كل من لا يعرف استخدام التقنية بطريقة حانية، لهؤلاء نرفع العقال. يجب أن نقوم بـ«أنسنة» الأنظمة الرقمية الجديدة وإتاحة الوصول إليها لكل شخص مهما كانت حاجته. لكن تعليق اليافطات بعناوين أشبه بالهيروغليفية للمواقع الالكترونية لإنجاز المعاملة، أو أسوأ، لحجز موعد، ليس سوى تصرف تعسفي غير مسؤول لا يهتم بخدمة الناس أو يحترمهم.

أشرنا في مقالاتنا السابقة عن الرقمنوقراطية أو البيروقراطية العقيمة الناتجة عن الرقمنة، وإلى مغبة حدوث هذا التعسف الحديث. للأسف نسي البعض الهدف من التحول الرقمي والارتقاء بالخدمات، حتى أخذ نمط العمل الرقمي المستحدث حجة للمماطلة في العمل وتخفيف أعداد المراجعين وكميات الأعمال المنجزة! يبدو أنهم لم يفهموا أن التحول الرقمي وإطلاق الخدمات الإلكترونية هدفه مضاعفة أعداد المعاملات المنجزة بمنتهى السرعة والدقة والكفاءة. يا ليتهم يلتفتون إلى القطاع الخاص وكيف يستغل الرقمنة لخدمة مصالح المستفيدين بتجربة فائقة وسلاسة. لكن يبدو أن لدينا سلالة جديدة للتعسف بحاجة إلى لقاح!

د. ضاري عادل الحويل

@dhuwail

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking