آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

141217

إصابة مؤكدة

871

وفيات

134033

شفاء تام

أرغمت المرأة على الانزواء خلف الرجل في المجتمعات الأبوية (البطريركية) لقرون طويلة، حتى ظن أغلبنا أن ذلك يمثل الطبيعة البشرية السوية. فتجذرت كثير من الأعراف ومثلها من القوانين على هذا الأساس. ومن تلك القوانين التي تناسختها بعض دول العالم، ومجمل الدول العربية، تلك التي تحصر الانتماء الوطني بالنسب الذكوري (الأبوي). فنحن قبل كل شيء مجتمعات ذكورية. فمن مجمل 22 دولة عربية، على سبيل المثال، تمنح الجزائر وتونس فقط المرأة الحق في منح جنسية بلدها لأطفالها وزوجها من غير المواطنين، بينما قامت بعض الدول الأخرى، مثل مصر والعراق وموريتانيا والمغرب واليمن، ببعض التحسينات التشريعية المهمة خلال السنوات العشر الماضية نصت على حق المواطنة في منح جنسيتها لأطفالها، دون الزوج. فلا يزال الرجل يحتفظ بهذا الحق «الأصيل» في عرف عشرين دولة عربية.

معلوم أن الدول الغربية والآسيوية تجاوزت هذا التمييز التشريعي منذ عقود، ما منح ملايين الأسر استقرارا اجتماعيا واقتصاديا مهما في ظل سهولة حركة الانتقال التي جعلت من الارتباط بين شخصين من جنسيات مختلفة أمرا عاديا. فتستقر الأسرة في بلد الزوجة مثلا، ولكن يتمتع جميع أفراد تلك الأسرة بحق المواطنة في ذلك البلد، الأمر الذي يسهل كل الأمور الحياتية، بل تجاوزها إلى الحقوق السياسية. تعتبر تلك الدول ذلك حقا رئيسا من حقوق الانسان.

ولكن في هذا الجزء من العالم، حيث يتمسك المجتمع بطبيعته الأبوية رغم المطالبات الحقوقية المستمرة منذ عقود، لا يزال المشرع يرى أنه ليس للمرأة منح أطفالها ذلك الحق، حتى لو ولد هؤلاء الأطفال وتربوا في ربوع موطنها وتنفسوا حبه ودانوا بالولاء له. يبقون غرباء تحت رحمة قوانين الإقامة والكفيل، يعاملون معاملة الأجنبي، كالعمالة المهاجرة القادمة لكسب الرزق. ووفقا لمجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة فإن التمييز بين الرجل والمرأة في هذه المسألة يعتبر من الأسباب الرئيسية لازدياد حالات انعدام الجنسية (البدون) في بعض المجتمعات العربية.

وتبقى الدول الخليجية من ضمن الدول ذات القوانين الأشد صرامة في هذه المسألة. غير أنه مؤخرا بدأت دول مثل المملكة العربية السعودية ودولة الامارات في الانتباه لهذا الأمر، وتأثيره على استقرار الأسرة، وللحفاظ على حقوق المرأة المواطنة، عبر معاملة أبناء المواطنات معاملة المواطن، وإن لم تصل تلك القرارات إلى حد حق منح الجنسية.

في هذا السياق، لفت الانتباه حديث حاكم الشارقة، الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عن حقوق المواطنات وأبنائهن.

ففي مداخلة على الهواء في إذاعة الشارقة قبل الأسبوع الماضي، أكد أن أبناء المواطنات تشملهم كل الحقوق التي يحصل عليها المواطن، كالمنح السكنية والعمل والرواتب والتقاعد. وأكد أن هذا القرار معمول به في إمارة الشارقة منذ ثلاث سنوات، حيث صدر ضمن حزمة قرارات حينها لمساواة المرأة في حقوقها مع الرجل.

من عادة الشيخ سلطان، وهو بالمناسبة مؤرخ معروف وكتب عشرات الكتب في التاريخ والأدب والرواية والسيرة الذاتية، أن يتصل هاتفيا بهذا البرنامج، «الخط المباشر»، لحل كثير من الأمور التي قد يشكو منها البعض أو لإعلان قرارات تهم الناس. حديثه الأسبوع الماضي كان ردا على رسالة بعثتها إلى البرنامج احدى المواطنات الإماراتيات، تساءلت فيها عن إمكانية حصولها على مسكن. حاكم الشارقة كان واضحا في حديثه «إذا تزوج الرجل المواطن امرأة غير مواطنة، يحصل على جميع حقوقه، والأمر كذلك بالمثل بالنسبة للمرأة المواطنة إذا تزوجت من رجل غير مواطن، فلها ولأبنائها جميع الحقوق، كالعمل والمرتبات، والتقاعد، والمنح السكنية، وهذا القرار كما ذكرنا معمول به منذ ثلاث سنوات».

أن يعامل أبناء المواطنة كالمواطن في تلك الأمور، وهو أمر للأسف غير ممكن في دول الخليج الاخرى، هو خطوة أولى يؤمل البناء عليها لإكمال حقوق المرأة في هذه المسألة المصيرية. فهي من المسائل التي تجاهلها صانعو القوانين والسياسات طويلا. وفي مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أظن أن الوقت قد حان لمثل هذا الإصلاح الضروري.

في الكويت مثلا، قد يشكل مثل هذا الإصلاح التشريعي جزءا مهما من حل قضية البدون التي طالت أكثر مما يحتمل البلد والبدون معا. من المؤمل، والكويت على أعتاب انتخاب برلمان جديد، أن يحتل هذا الأمر محلا مهما في أولويات المشرعين في الفصل الجديد. كما سيسهم أيضا في حل معضلة التركيبة السكانية وتقليل الاعتماد على العمالة غير المواطنة. والأهم من ذلك، انهاء تمييز ذكوري ضد المرأة في مجتمعاتنا العربية طال كثيرا ولم يعد مقبولا في عالم اليوم. كثير هو الحديث، منذ سنوات، عن تمكين المرأة في كل المجالات. في مقابل ذلك، يسود صمت غريب عن تمكين أبنائها. 

محمد سالم المزعل

@Almezel

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking