لا يمكن أن يجادل أحد بحرص القائمين على القطاع الصحي، خصوصا العاملين في الصف الأول من أطباء ومساعديهم، لتفانيهم وحرصهم على صحة جميع المواطنين والمقيمين على أرض الكويت.. وقد أشاد أمير البلاد «حفظه الله ورعاه» في زيارته الأخيرة بالمسؤولين في هذا القطاع من الوزير إلى جميع العاملين، وهم بحق يستحقون الإشادة.

ولكن نعلم جميعاً بأن هذا الوباء اللعين قد يعيش بيننا زمناً لا يعلم مداه إلا الله، لذلك اجتهدت الحكومة بعودة أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية فامتلأت الأسواق بروادها، وازدحمت المطاعم والكافيهات بزبائنها، ورحبت النوادي الرياضية وحتى حمامات السباحة للأطفال بمرتاديها، وأخيراً اُعلن جدول فتح المطار للمسافرين ذهاباً وإياباً من البلاد.. وبقي قطاع التعليم ومدارس الأبناء وحدها مقفلة، وأبناؤنا ومعلمونا يتواصلون عن بُعد وفق نظام ومنصات لا تفي بالحد الأدنى لمتطلبات التعليم الجيد، خاصة في المدارس الحكومية.. وانتهى العام الدراسي السابق بحفل نجاح جماعي ومعدلات دراسية فلكية لا تعكس الواقع ولا قدرات الطلبة الحقيقية.. وسيعاني الجميع من هذه النتائج الوهمية لسنوات طويلة.. لذا اتجهت وزارة التربية مشكورةً إلى إعلان تبني الامتحانات الورقية خاصة لطلبة الثانوية مع استمرار التعليم عن بُعد لضمان شيء من الجدية والتحصيل الحقيقي لهؤلاء الطلبة.. ولكن فوجئنا بقرار وزارة الصحة وكتابها برفض هذا الأسلوب والاعتراض على توجه وزارة التربية حتى يتم توفير اللقاح الذي هو بطبيعته سيكون اختيارياً وليس إجبارياً للكل.

وهنا أذكّر بأننا في الكويت عانينا من أزمات حادة أوقفت مسيرة التعليم لفترة وأشدها أزمة الغزو العراقي الغاشم عام 1990 ثم جائحة انفلونزا الخنازير عام 2009، وفي الأزمتين كان قرار وزارة التربية حاسماً باستمرار الدراسة وفق خطط عرفت بسنة الدمج في الأولى.. وبأسلوب التعليم المتدرج للمراحل الدراسية في الثانية.. وفي الأزمتين استمرت مسيرة التعليم حتى لو شابتها بعض المآخذ.. ونجح تعاون وزارة الصحة مع التربية في عام 2009 من تخطي الأزمة بسلام.

الفاضل د. باسل.. أنا من أول من أشاد بجهودكم في إدارة الأزمة، ولكن اسمح لي الآن أنت والزميل الفاضل وزير التربية أن أشير لتبعات قراركم هذا الذي سيؤثر في مسيرة جيل كامل وما سيتعرض له خريجو الثانوية من إهدار كبير لتحصيلهم العلمي، مما قد يؤدي إلى فشل الكثير منهم في مراحلهم الدراسية العليا، كما سيعرّض كثيراً منهم إلى عدم اعتراف عدد من الجامعات الخارجية بشهاداتهم، وأود أن أشير كذلك إلى الطوابير الممتدة للتسجيل في النظام المسائي لما علموه من سهولة النجاح وعدم عدالة التقييم الحقيقي، وهو وضع يعلمه الآن المسؤولون في وزارة التربية.. كما سيمنع قراركم هذا المدارس الخاصة المستعدة لاستقبال طلبتها وفق «نظام التعليم المدمج» من الاستفادة من هذا النظام الذي تطبقه معظم دول العالم وأقربها إلينا دول الخليج.. كما تطبقه الآن دول أوروبية وهي حالة حظر كامل لجميع الأنشطة إلا قطاع التعليم.. فها هي فرنسا وانكلترا وايرلندا وألمانيا وغيرها تفتح مدارسها مع تطبيق الاشتراطات الصحية المطلوبة.. حيث قال رئيس وزراء ايرلندا «لا نستطيع أن نجعل مستقبل أطفالنا وشبابنا ضحية أخرى لهذا الوباء».. كما قالت السيدة ميركل رئيسة وزراء ألمانيا محقةً «إن تعطيل التعليم له آثار اجتماعية وخيمة أبرزها زيادة العنف بين الشباب».

د. باسل: المسؤولية عظيمة أعانكم الله على حملها، ولكن للتعليم خصوصية وأولوية على جميع ما تقدم ولا يمكن تجاهل ذلك، وإن أضعف الإيمان أن نتحقق من التحصيل الجاد لطلبة الصفوف الثانوية وذلك بتأدية الامتحانات حضورياً في مدارسهم مع اتباع جميع الاشتراطات الصحية التي ترونها، والتي أقرتها وثيقة الأمم المتحدة والبنك الدولي «التعليم في زمن جائحة كوڤيد-19» في أغسطس 2020.. أما الأخ الفاضل وزير التربية فإعداد خطة التعليم والدفاع عنها في هذا الظرف الاستثنائي مع الاستعانة بآراء المختصين ممن شاركوا في الندوة التي عقدتها جمعية المعلمين الكويتية مشكورةً برسالتها الواضحة «التعليم أولوية وطنية ومسؤولية اجتماعية» وغيرهم من ذوي الشأن هي مسؤوليتكم وهي مسؤولية سيُحملكم الجميع تبعات أدائها إن إجادة أو تقصيرا.. ندعو لكم بالتوفيق وللكويت وأبنائها بأن يحفظهم الله من كل مكروه.

د. موضي عبدالعزيز الحمود

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking