مرت البشرية بفترات من المعاناة ومازالت بسبب تفشي التعصبات بأنواعها. سعت القوى التّقدّمية بأوروبا لمكافحة التمييز والادّعاءات الباطلة بالخصوصيّة الاستثنائية والتّفوّق، وبمرور الزمن بدا وكأن التّعصّبات الدّينية والتمييز العنصري أصبحا عُرضة للانحسار والهزيمة أمام قوى التحول وتيّاراتها التقدمية لتحقيق المساواة بالعالم، فظهرت حركة حوار الأديان بالمعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو (1893) للاحتفاء بمرور أربعمئة عام على اكتشاف القارّة الأميركية، وتمخّض عنه «برلمان الأديان»، أمور عكست صورة صادقة للرؤية الروحانيّة المُجسدة لأفكار الناس وبشارة بقرب زوال التعصبات وتلاشيها.

حدث تاريخي فريد دفع بالبعض للتأكيد على قرب تحرّر العالم من التّعصّبات بوجود هكذا برلمان، فعمّت التّكهّنات بقيام القادة والمُفكرين باغتنام الفرصة لإيقاظ روح الأخوّة ونشر المساواة بين الناس وإرساء أسس التعاون الدولي لخلق عالم يسوده الرّفاه والتّقدّم، فازدهرت حركات حوار الأديان وانتشرت المؤلفات الداعية للتعايش بمختلف اللغات حتى أصبحت بمنزلة أول طرح مُيسر يجمع تعاليم الأديان الرّئيسيّة وانتشارها بين النّاس بمختلف توجهاتهم، مؤمنين وغير مؤمنين، ولحقها ترويج وسائل الإعلام وشبكات الإنترنت تاليًا لأهمية التعايش السلمي. كما عكفت الجامعات على تدريس مناهج للدّراسات الدّينيّة المقارنة، وانتشرت حلقات الدّعاء والمراسم المشتركة بين مختلف الأديان بصورة طبيعية وبجو تعايشي يصعب تصور وجوده قبل سنوات. ولكن، افتقدت هذه المبادرات تّرابطها الفكري والتزامها الرّوحي والأدبيّ، وقُوبلت برفض أصحاب الفكر الدّينيّ المُتزمت لفكرة أصالة وحدة أُسس الأديان الكبرى، والاعتراف بكونها أديان حقّ من حيث جوهرها وأصولها وقاوموا الفكرة بشدة. يشهد التاريخ بأن التّقدّم الذي حققته عملية محاولة إزالة التعصبات كان نابعًا من الشعور الطبيعي بوحدة العالم الإنساني والإقرار بأنّ شعوب الأرض تنتمي لذات العنصر والأصل والاعتراف بأنّ التنوع لا يمنح الافراد أو الجماعات امتيازات ولا يفرض القيود على الآخرين، كما لا ينبغي أن يكون التّقدير الّذي نكنّه لإسهامات الأمم في تطوير الحضارة العالميّة الحديثة وتنميتها سببًا لاحتكارها أو لتعزيز الأوهام المتوارثة بعجز الآخرين عن الإسهام بالحضارة البشرية، أوهام خلقت الصراعات الأُممية الدامية.

يُؤمن الكثيرون بأهمية وحدة العالم الإنساني لا كخطوة مستقبليّة حتميّة وحسب، بل كمنهج لتقدّم الحضارة وتطورها وخلق مستقبل واعد، ولكن ظنون البعض بامتلاك الحقيقة المُطلقة وانّ الوصول إليها اختُصّ بأفكارهم ومعتقداتهم فقط دون غيرها، ووقوعهم أسرى هكذا نظريات والاصرار عليها زرعت الخلافات وولّدت الفرقة وخلفت الفتن والحروب الدموية التي جلبت الدّمار وقوّضت جهود السلام، وتسببت في ابتلاء الناس بالصراعات الطائفية والاحتراق بنيرانها، أوهام شوهت سمعة الأديان وتسببت بالحروب الدينية هنا وهناك، وتاريخ أوروبا بعصوره المظلمة خير مثال. تعصباتنا تخلق الكوارث ومع ذلك نشهد استمرار البعض بالتمييز وإصرارهم على الاستهزاء بالآخر لتأتي ردات الفعل الدموية والقاتلة، ونتساءل عما جنيناه من التعصّبات وصراعات التفوق؟

عرفان أمين

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking