سوريا ترفع الدعم عن الخبز.. ليصل سعره إلى 100 ليرة

كلوي كورنيش (فايننشيل تايمز) - ترجمة: محمد أمين

كان الدكتور خالد يصطف على محطة البنزين عندما تلقى مكالمة عاجلة -كان المريض ينزف. في العادة، كان يقود سيارته مباشرة إلى مستشفاه في دمشق للمساعدة، لكن المغادرة الآن تعني التخلي عن موقعه في طابور الذي احتله لمدة 18 ساعة في قائمة الانتظار.

يقول الدكتور خالد، الذي اتصل بشقيقه ليأتي وأخذ مكانه في الطابور، بينما هرع إلى المستشفى سيرًا على الأقدام: «إذا لم أعد لملء خزان وقود سيارتي، فقد لا أستطيع مغادرة المنزل لأيام. كان من الممكن أن يموت هذا المريض، ليس بسبب تقصيري ولكن لأنني كنت أريد ملء خزان وقود سيارتي».

بعد سنوات من القتال العنيف الذي أودى بحياة نصف مليون شخص وأدى الى تدخل قوى عالمية في الصراع من موسكو إلى واشنطن. يسيطر نظام الرئيس بشار الأسد -المتهم بارتكاب جرائم حرب وسجن الآلاف بشكل تعسفي دون محاكمة -الآن على ثلثي أراضي البلاد. وانحسر القتال في معظم أنحاء سوريا باستثناء الشمال الغربي حيث تدعم الطائرات الروسية الأسد وتدعم القوات التركية مقاتلي المعارضة.

لكن الساعات التي قضاها الدكتور خالد في الطابور توضح مدى الانهيار الاقتصادي الذي تشهده سوريا، والذي تفاقم بسبب عمليات الإغلاق المرتبطة بوباء كورونا، والأزمة المصرفية اللبنانية وعزلة النظام الدولية. فالعقوبات المالية الغربية تحظر بيع الوقود إلى سوريا، مما يعني أنه لا يمكنها شراء النفط، إلا من إيران.

فهذه الدولة التي كانت تنتج النفط على نطاق ضيق وتصدر القمح في السابق، تعاني متاعب مالية كبيرة لدرجة أنها رفعت في الشهر الماضي الدعم عن الخبز، وتضاعف سعر الخبز الذي تنتجه المخابز الحكومية ليصل إلى 100 ليرة سورية.

حتى قبل رفع الدعم، اشتكى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام -أي معظم أنحاء البلاد -من أن نقص الخبز والوقود والاصطفاف اللامتناهي أصبح حقيقة من حقائق الحياة في بلد كان يُصنف سابقًا على أنه «متوسط الدخل».

واردات حيوية

مع نقص المعروض من الخبز، جزئيًا بسبب انخفاض الواردات الحيوية، والمشاحنات حول أسعار القمح وحرائق الغابات، أقر الأسد بأن الاقتصاد السوري في حالة انهيار تاريخي.

وقال الأسد هذا الشهر خلال زيارة عامة نادرة إلى حلب، مركز الثقل الاقتصادي، إن سوريا تمر بأوقات عصيبة لم تشهدها منذ استقلالها في عام 1945».

ويقول نيكولاس بودناك، مدير الأبحاث في مجموعة Mercy Corps، وهي منظمة إنسانية، «هذه أسوأ أزمة خبز في البلاد منذ بداية الحرب الأهلية عام 2011».

واعتبر أمجد يامن من جمعية انقاذ الطفولة ومقرها العاصمة الأردنية عمان، انه على الرغم من محاصرة مدن بأكملها وقصفها خلال ذروة الصراع، إلا أننا، لم نر في السابق هذا المستوى من العوز في سوريا، والذي لم يصل أبدًا إلى هذا المستوى في جميع أنحاء البلاد». وتقول الأمم المتحدة إن ما لا يقل عن 80 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

وتجادل المعارضة بأن الفساد الحكومي والمحسوبية سمحا بازدهار التربح وقوض الاقتصاد. لكن الأسد ينحي باللوم على العقوبات الدولية، التي ضغطت على النظام منذ أن شن حملة على المعارضين في عام 2011. وأشار الأسبوع الماضي الى إن مليارات الدولارات من الأموال السورية العالقة في البنوك اللبنانية المجاورة تمثل، في الواقع، «جوهر المشكلة».

ومن غير المعروف حجم الأموال السورية المحجوزة في البنوك اللبنانية منذ أن فرض المقرضون قيودًا غير رسمية على رأس المال في أواخر عام 2019، في سعيهم لتفادي نفاد السيولة من البنوك، علما بأن لبنان كان بمثابة شريان مالي حيوي للسوريين.

انهيار العملة

ويقدر المصرفيون والسياسيون أن الودائع السورية في لبنان تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات -بحد أدنى 20 مليار دولار، بحسب الأسد -أموال تحتاجها سوريا، لكن من غير المرجح أن تتمكن من استردادها.

وأشار بوداناك إنه «من غير المرجح أن تلبي الحكومة السورية احتياجاتها السنوية من 2.5 مليون طن من القمح». فالأراضي الرئيسية المنتجة للقمح تقع في الشمال الشرقي الذي تسيطر عليه إدارة كردية اختلفت مع دمشق بشأن أسعار الحبوب. في غضون ذلك، تعرضت الزراعة في مناطق سيطرة النظام لسلسلة من حرائق الغابات. تراجعت الواردات من روسيا حيث سعى الكرملين لحماية إمداداته أثناء جائحة فيروس كورونا.

في سبتمبر، بدأت الحكومة في تقنين استهلاك الخبز لكن هذه المخصصات صغيرة للغاية لدرجة أن خالد بدأ في تقاسمها مع زملائه في العمل الذين يكسبون أقل، وقال «أقرضهم بطاقتي، يشترون لأنفسهم أربع حزم» من الخبز بدلاً من اثنتين.

وبينما تتوفر أطعمة أخرى، أدى انهيار العملة إلى تفاقم التضخم، مما أجبر العائلات على تقليص استهلاك اللحوم وحتى الفاكهة الطازجة. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تكلفة تسوق العائلة العادي تزيد بنسبة 90 في المائة عما كانت عليه قبل ستة أشهر. قال عمرو، 50 عاما، الذي يعمل في مكتب وعادة ما يقضي ساعتين في اليوم في انتظار الخبز المدعوم من الحكومة، «نحن معتادون على هذه الأشياء الآن»، والسعر أرخص أربع مرات من السوبر ماركت العادي. يعني الانخفاض في العملة أن راتبه الآن يساوي 40 دولارًا في الشهر، أي 10 في المائة فقط مما كان عليه قبل انهيار الليرة.

ويوضح عمرو الذي يعيل أربعة أطفال ووالديه وزوجته: «بالتأكيد حذفنا أشياء كثيرة من نظامنا الغذائي، فاذا أردت أن تأكل الدجاج الآن، فعليك أن تدفع السعر مضاعفاً عشر مرات».

ومثل الكثير من السوريين، يشعر بقلق عميق من الفساد وفقد ثقته بأن المسؤولين يمكن أن يحلوا مشكلات البلاد. يقول عمرو «لا أمل في أن أي شيء يمكن أن يتغيّر، إلا بالله».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking