يروى عن قبيلة تعرف باسم «بني عرافة»، نسبة إلى معرفة أفرادها وعلمهم وذكائهم، وأنه قد برز من هذه القبيلة شيخ عرفت عنه الفطنة والنباهة، كان لهذا الشيخ ثلاثة أبناء أسماهم جميعا عبدالله لحكمة لا يعرفها إلا الله ثم هو.

كتب هذا الشيخ وصية غامضة لأبنائه قبل أن يحين أجله، وفيها: عبدالله يرث، وعبدالله لا يرث، وعبدالله يرث. وعندما توفي، سارع الإخوة إلى قراءة وصية والدهم، إلا أنهم وقعوا في حيرة من أمرهم؛ لأنهم لم يعرفوا من هو الذي لن يرث منهم.

فقرروا الاستعانة بقاض عرف بالذكاء ليحكم بينهم، كان هذا القاضي يعيش في قرية بعيدة، وفي طريقهم إليه رأوا رجلاً فسألهم عن جمل أضاعه، فقال عبدالله الأول: «هل هو أعور؟». فقال الرجل: «نعم». وقال عبدالله الثاني: «هل هو أقطب الذيل؟». فقال الرجل: «نعم». فقال عبدالله الثالث: «هل هو أعرج؟». فقال الرجل: «نعم». فرح الرجل؛ لأنه ظن أنهم بوصفهم الدقيق هذا قد صادفوه، فسألهم: «هل رأيتموه؟». فقالوا: «لا». فوجئ الرجل بنفيهم، فكيف لم يروه وقد وصفوه! فاتهمهم بأنهم قد سرقوا جمله، وأنه سيشكوهم إلى القاضي، فقالوا له: «فليكن، فنحن أيضاً ذاهبون إليه».

وصل الجميع إلى القاضي، وشرح له كل منهم قضيته، فقال لهم: «اذهبوا الآن وارتاحوا من عناء السفر، وسأراكم لاحقاً لأحكم لكل منكم». ثم إن القاضي أمر خادمه أن تقدم لهم وليمة غداء، وأمر آخر بمراقبتهم أثناء تناولهم الطعام.

وأثناء غداء الأربعة، قال عبدالله الأول: «إن المرأة التي أعدت الغداء حامل». وقال الثاني: «إن هذا اللحم الذي قدم لنا لحم كلب وليس لماعز». وقال الثالث: «إن القاضي ابن زنى». فسمع الخادم ما قاله العبادلة الثلاثة.

وفي اليوم التالي، سأل القاضي الخادم عن الذي حدث أثناء مراقبته للعبادلة وصاحب الجمل، فنقل الخادم إلى القاضي ما سمعه من الأول عن حمل المرأة، ومن فوره ذهب القاضي إلى تلك المرأة فرأى أنها فعلاً حامل، ففوجئ القاضي كيف عرف بأنها حامل وهو لم يرها! بعدها رجع القاضي إلى الخادم وسأله عما قاله الثاني، فأخبره بأن ما قدم لهم لحم لكلب وليس لماعز، فذهب القاضي إلى الجزار الذي اعترف بعد جهد بأن ما ذبحه كان كلباً، فزاد استغراب القاضي منهم، عاد القاضي ليسأل خادمه عما قاله الثالث، فتردد الخادم في الإجابة، فشك القاضي في الخادم، وأمام إصراره أفضى الخادم بما قاله عبدالله الثالث: «بأنك ابن زنى».

انهار القاضي، ولكن بعد تفكير عميق قرر أن يسأل أمه عن والده الحقيقي، ففوجئت الأم من سؤال ابنها، إلا أنها أنكرت الحقيقة، ومع إصرار ولدها اعترفت بأنه ابن زنى، أصيب القاضي بصدمة عنيفة لهذا الاعتراف، وذهل كيف عرف العبادلة بكل ذلك.

جمع القاضي العبادلة الثلاثة وصاحب الجمل لينظر في قضاياهم، فسأل عبدالله الأول: «كيف عرفت بأن الجمل أعور؟». فرد: «لأن الجمل الأعور يأكل فقط من جانب العين التي يرى منها، وأنا قد لاحظت في المكان الذي ضاع فيه الجمل أثر ما أكله». ثم سأل الثاني: «وأنت كيف عرفت بأن الجمل أقطب الذيل؟». فرد قائلاً: «إن الجمل السليم يحرك ذيله يمنة ويسرة فيتوزع ما يخرجه من بعر على الأرض، إلا أني لاحظت بعر هذا البعير في مكان واحد، فعرفت بأن الجمل كان أقطب الذيل». وأخيراً سأل القاضي عبدالله الثالث: «كيف عرف بأن الجمل كان أعرج». فرد قائلاً: «رأيت ذلك من آثار خف الجمل على الأرض، فعرفت بأن الجمل كان أعرج».

اقتنع القاضي بما قاله العبادلة، وأمر صاحب الجمل بأن ينصرف، بعدها سأل عبدالله الأول: «كيف عرف بأن من أعدت الطعام كانت حاملاً؟». فرد الأول: «عرفت لأن الخبز الذي قدم إلينا كان سميكاً من جانب ورفيعاً من الجانب الآخر، وهذا يحصل للمرأة الحامل التي يعيقها بطنها الكبير عن الوصول إلى الجانب الآخر من الخبز». ثم سأل القاضي عبدالله الثاني: «كيف عرف أن ما قدم إليكم كان لحم كلب؟». فرد الثاني موضحاً: «لأن لحم الغنم والماعز والجمل والبقر جميعها تكون حسب ترتيب معلوم، العظم، ثم اللحم، ثم الشحم، أما لحم الكلب فيكون ترتيبه العظم، ثم الشحم، ثم اللحم».

وأخيراً جاء دور عبدالله الثالث الذي كان القاضي ينتظره على أحر من الجمر، فسأله: «وأنت كيف عرفت أني ابن زنى؟». فرد الثالث: «لأنك أرسلت شخصاً يتجسس علينا، وهذه إحدى صفات ابن الزنى». عندها قال القاضي: «لا يعرف ابن الزنى إلا ابن الزنى، وأنت هو ابن الزنى الذي لن يرث مع أخويه».

ملحوظة: منقولة من التراث بتصرف كبير.

طلال عبدالكريم العرب

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking