لا أذكر أبدا أن أبي قد عنّفنا على كسر كوب ولا طبق ولا أي شيء آخر في البيت مهما غلا ثمنه. كان يهز رأسه بهدوء وهو يجمع القطع المكسورة قائلا إن لكل شيء عمرا.

أول مرة سمعتها منه تعجبت كثيرا، كيف وقد أخذت في المدرسة الفرق بين الكائنات الحية وغير الحية.. كيف تموت الأكواب؟!

لكن بعد ذلك اعتدت الأمر، بل إنني اقتنعت به بالفعل فلم يحدث كثيرا أنني حزنت على فقد شيء مادي أيا كان.

أهز رأسي وأقول: نصيب.. أكيد خير.. أو كما في المأثور الشعبي «فدايا وفدا الأحبة».

قد تنتهي الأشياء حين يحل محلها ما هو أكثر تطورا، وتنتهي العلاقات لانتهاء أهدافها أو حين لا نبذل الجهد الكافي للإبقاء عليها.

تنتهي رحلتنا من أماكن لتبدأ في أماكن أخرى بأبطال جدد..

وهكذا تظل الحياة دوما في حالة إحلال واستبدال، ونحن تارة نستجيب للتطور السريع ونغرق فيه، وتارة نتشبث بالحنين والذكريات التي تبدو من بعيد جذابة وناعمة.

الذاكرة انتقائية وقد تكون خادعة أيضا، تقوم بعملية المونتاج بمهارة لتخلق عالما مثاليا بعيدا، أو تجد أسبابا وهمية تبرر أفعالا حالية.. لذا فهي ليست بريئة تماما، وقد يكون تعريف الذاكرة بأنها ما يظن الإنسان أنه قد حدث تعريفا أدقّ وأصدق من أنها ما حدث فعلا.

في فيلم final cut لروبين ويليامز، يظل البطل طيلة عمره معتقدا أنه تسبب في مقتل طفل آخر صغير كان يرافقه في اللعب، تتشكل حياته كلها بناء على هذا الاعتقاد الذي يحدد سلوكه واختياراته، إلى أن يكتشف في النهاية أن هذا الطفل قد نجا من الحادث وأكمل حياته بصورة طبيعية تماما.. صار مدرسا وتزوج وأنجب وتوفي مؤخرا بسبب المرض.

كم من فكرة خاطئة أو شعور غير حقيقي أثر على اختياراتنا؟ وهل من سبيل للانتباه لذلك وتفاديه؟

لحسن الحظ فإن إجابة هذا السؤال هي نعم، وهذا ما يقوم به أساسا أحد أهم أساليب العلاج النفسي وهو العلاج المعرفي السلوكي، والذي يساعد الإنسان على تغيير وعيه وإدراكه بالأشياء والأحداث مما يمنحه أسلوب حياة أكثر سلاما مع النفس.

حين تصل لنقطة اتزان، تستطيع أن تتعامل مع حوادث الحياة وتحدياتها اليومية بشكل أيسر.. لا تستهلك نفسك في حنين زائف أو محاولة استرجاع ما لا يعود، وتوجه طاقتك للحفاظ على ما يستحق وتطويره.

د. رحاب إبراهيم

@dr_rehabibrahim

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking