«أيها الناس، اسمعوا وعوا».. أول من قالها وكررها قس بن ساعدة الإيادي، أحد أعظم خطباء العرب في الجاهلية وأسجعهم، ومن أحكم حكماء العرب، حتى إنه نال شرف إعجاب رسول الله به، قيل عنه إنه نصراني، وإنه كان أسقف كعبة نجران، وقال آخرون: بل هو حنيفي يعتقد بالتوحيد ويؤمن بيوم الحساب، اعتُبر قس خطيب العرب قاطبة، وإذا كان الخطباء كثيرين، والشعراء أكثر، فإن من يجمع الشعر والخطابة قليل، وكان يُضرب به المثل في البلاغة، فيقال للبليغ: إنه أبلغ من قس.

كما قيل عنه إنه أول من خطب متكّئاً على عصا، وأول من كتب «من فلان إلى فلان»، وأول من قال: «أما بعد»، وأول من قال «البينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر»، نسب اليه الكثير من الأقوال المسجوعة، والخطب البليغة، والأشعار المليئة بالحكم والعبر.

ومن حِكمه أنه قال: إذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاصدق، ولا تستودعن سرّك أحداً؛ فإنك إن فعلت فلم تزل وجلا، وكان بالخيار، إن جنى عليك كنت أهلاً لذلك، وإن وفي لك كان الممدوح دونك، وكن عفّ العيلة، مشترك الغنى تسد قومك. من عيّرك شيئاً ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، وإذا نهيت عن الشيء فابدأ بنفسك، ولا تشاور مشغولاً، وإن كان حازماً، ولا جائعاً وإن كان فهما، ولا مذعوراً وإن كان ناصحاً.

قال عنه الجاحظ: لقس بن ساعدة في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر تصويبه، وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال، وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث.

ومما ذكر عنه أنه كان يُنكِر المُنكر الذي شاع في الجاهلية، وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أدركه قبل مهبط الوحي بعشر سنين، فقال عنه: يرحم الله قسّاً، إني لأرجو يوم القيامة أن يُبعث أمة وحده، وحصل أن قدم وفد من عبد القيس على النبي (عليه السلام)، فسألهم أيّكم يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: كلنا نعرفه. قال: فما فعل؟ قالوا: هلك. قال: فما أنساه بسوق عكاظ، في الشهر الحرام، وهو على جمل أحمر، وهو يخطب، في الناس ويقول (ما اعتبرت من أعظم الخطب على مر تاريخ العرب:

«أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَات، وَمَنْ مَاتَ فَات، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آت.. مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، جمع وأشتات، لَيْلٌ دَاج، وَنَهَارٌ سَاْج، وَسَماءٌ ذَاتُ أبْرَاجٍ، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ومهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تَمور، وبحار لا تغور، وَنُجُومٌ تَزْهَر، وَبِحَارٌ تَزْخَر، إِنَّ في السَّمَاءِ لَخَبَراً، وإِنَّ في الأرضِ لَعِبَراً، مَا بَاْلُ النَّاسِ يَذْهبُونَ وَلاَ يَرْجِعُون؟ أرَضُوا فَأَقَامُوا، أمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟ تبّاً لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية. يا معشر إياد، يا مَعْشَرَ إيَاد: أيْنَ الآبَاءُ والأجْدَادُ؟ وأيْنَ الفَرَاعِنَةُ الشِّدَادُ؟ أَلَمْ يَكُوْنُوا أكْثَرَ مِنْكُم مَالاً وأطولَ آجالاً؟ طَحَنَهُم الدهْرُ بِكَلْكَلِهِ، ومزَّقَهم بتطاوُلِه.. يقسم قس بالله قَسَماً لا إثم فيه، إن لله ديناً هو أرضَى لكم وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً».

* ملحوظة:

منقولة من التراث العربي بتصرُّف.

طلال عبدالكريم العرب

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking