آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

140393

إصابة مؤكدة

868

وفيات

132848

شفاء تام

يبدو ان مشكلة سوء الفهم مركبة ومعقدة اكثر مما تبدو، لنصل الى درجة عدم التفريق من يخطئ اولا ومن العاقل الذي يحاول ان يحلل الامور قبل ان يطلق تصريحات نارية تعبيرا عن الغضب.

تبدأ القصة مع رسمة كاريكاتير لا اعتقد ان من رسمها يعرف بالضبط الرسالة التي ستصل الى المتلقي المسلم او غير المسلم. يرى بعض المسلمين ان هذه الرسومات اساءة وتعد على المقدسات الاسلامية، ومنهم يتحمل هذا الاساءة على محمل شخصي، وغالبا ما يصل الامر الى اعتبارها جزءا من مؤامرة مستمرة من قبل الدول والمؤسسات الغربية تستهدف الاسلام والمسلمين، ما يساعد في هذا الفهم هو طريقة تلقي هذه الرسومات من غير المسلمين، هذه الافعال غالبا ما تساعد على تعزيز الاسلاموفوبيا، واطلاق الاحكام المسبقة على جميع المسلمين، وهكذا تتصاعد حدة ردود الفعل وصولا الى الاعمال الاجرامية والارهاب.

فوجئت عندما وجدت ان عددا غير قليل من الشباب قد تفاعل مع «حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية» التي اطلقت كرد فعل امام تصريحات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.

مثل هذه الحملات عادة ما تكون موجهة للداخل وليس الهدف منها ايذاء فرنسا او غيرها، وغالبا ما يكون الجمهور الفاعل فيها هم الذين يتسمون بالوسطية «الظاهرية» على الاقل في خطابهم المعلن، فهم لا يؤمنون بقتل من يعتدي على المقدسات بالقول، ولكن يكتفون باستنكار بسيط مع لوم الضحية اذا جاءت الجريمة من ارهابي، ليس على ماكرون ان ينزعج نتيجة هيجان جمهور المسلمين، لأنه ببساطة سياسي ويعرف هذه الانفعالات لا تأتي الا لمن له مصلحة سياسية داخلية في اطلاق هذه الحملة.

كيف تنطلق هذه الحملة لتصل الى آخر الاماكن التي تتوقع ان تجد من يتبناها، اذ ينشغل بعض الشباب لقيادتها كحملة واضحة الدوافع لكل مراقب للأوضاع السياسية في المنطقة العربية.

ولنعرف كيف لشاب يعيش في بلده العربي (المضطرب مثلا وغير المستقر) ان يترك الحدث الاهم، الحدث الذي يصنعه هو بيديه وتتوقف النتائج المتحصلة منه على مدى وعيه به واصراره عليه، لا ان يكتب كلمة اسقاط الواجب على الفيسبوك، ولنتتبع ابرز المساهمين في هذه الحملة من السياسيين والشخصيات العامة، ومن سيجني ارباح هذا الجهد الاسلامي «دفاعا عن رسول الله».

لا يترك الرئيس التركي رجب طيب اوردوغان اي فرصة من هذا النوع ليقول كلمته التي يعبر فيها عن قيادة واضحة لعموم المسلمين في انحاء العالم، فهو يتصرف وكأنه الخليفة ولم يعد هذا الوصف يطلق عليه بقصد الاساءة او الاستهزاء.

اوردوغان على عادته يرد بطريقة واضحة وبكلمات تبدو قاسية، فهو يعرف جيدا ما الخطاب الذي تتلقفه الملايين لأنه لا يخاطب الا الاتباع والمؤيدين ومن تسربت اليه الايديولوجيا الإخوانية: «على ماكرون ان يفحص صحته العقلية».. لا يمكن ان نفهم هذا التصريح الا ان يكون موجها للداخل الاسلامي، لان هذه ليست لغة الحوار بين الدول.

عموم المسلمين الذين تفاعلوا مع حملة المقاطعة لا يحبون اردوغان بالضرورة، بل ان بعضهم يعاديه، لكنها الايديولوجيا التي تتسرب وتنتقل نتيجة الجهل ومنصات التواصل الاجتماعي. على مدى اكثر من قرن نجحت جماعة الاخوان المسلمين في تصدير رؤية محددة للحكم والتعامل من منظور اسلامي، وتبنت هذه الرؤية تيارات وفرق كثيرة شيعية او سنية اما بطريقة معلنة او مستترة.

"الاخوان المسلمين" جماعة لا يمثلها عدد الافراد الذين يعلنون انهم ينتمون ويؤيدون هذا الجماعة بفروعها المنتشرة في جميع الدول والمجتمعات الاسلامية، انما ما يمثل هذه الجماعة هي الايديولوجيا والمسلمات الفكرية التي تسربت الى كل التيارات والافراد الذين يتخذون من احكام الشرع الاسلامي منطلقا لهم في التعامل مع العالم.

والجزء الاكبر من الصراع على تمثيل المجتمع العربي هو صراع هذه الجماعة وفروعها المتعددة من جهة والتيارات العلمانية القومية من جهة اخرى. هذا الصراع على التمثل انتقل الى حروب ناعمة تدار على منصات التواصل الاجتماعي، اذ لم تعد كلمات رجال الدين مؤثرة مثل ما كانت، وستجد ان غالبية من يعبرون عن هذه الافكار هم شباب بملابس عصرية واسلوب يناسب جمهور السوشيال ميديا الذي يميل الى الكوميديا والاختصار.

ان اخطر نتائج التسليم والاتباع لمثل هذه الحملات هي تكريس سوء الفهم المتوارث بين المسلمين وعموم المجتمعات في العالم، وتبعدنا اكثر في عزلة دائمة لا نعرف لماذا يكرهنا الغرباء، هذا الشعور بالظلم وعدم التقدير سيؤدي الى انفجار بعض الشباب الى ردود فعل انتقامية تعيد هذه الدائرة المستمرة من سوء الفهم والكراهية المتبادلة.

محمد الحلو

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking