آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

142635

إصابة مؤكدة

880

وفيات

137071

شفاء تام

لقد تجلت هذه «الغريزة» كأحسن ما يكون في تطوير التجارب والبحوث العلمية، الأمر الذي أسهم في اكتشاف أسباب ظهور الأوبئة وفي التعرّف إلى أنواع من الجراثيم والفيروسات، وبالتالي في إعداد التلاقيح وصناعة الأدوية وتوفير وسائل الحماية والحد من انتشار العدوى.

يقول بيرن في بيان العلاقة بين الجوائح وتطور الطبّ في بغداد على سبيل المثال «دفعت أهوالُ الجائحة الأولى الحديثة العهد علماءَ بغداد إلى قراءة الكتب البيولوجية والطبية اليونانية للطبيبين الكلاسيكيين أبقراط وجالينوس والفيلسوف أرسطو التي تحظى بتقدير كبير وترجمتها. وأمعن العلماءُ والأطباء المسلمون النظر طيلة ما يزيد على ثلاثة قرون في هذه الأعمال وعلّقوا عليها، ودمجوها في كتبهم الطبية ذات التأثير الواسع. ومن خلال العلوم الموجودة في الكتب والتجارب السريرية خطا الأطباءُ المسلمون خطواتٍ ضخمة في جميع المجالات».

وفي السياق نفسه، يشير المؤلف إلى أنّ الاجتياحَ المغولي وما خلفه من خرابٍ جعل العرب المسلمين عاجزين غير قادرين على تطوير وتجاوز ما توصلوا إليه في القرون السابقة.

وتلك ملاحظةٌ مهمة تسلط الضوءَ على علاقة المعركة ضد الجوائح بمعارك الحرية والاستقلال والإرادة، فالاستبداد معطّل للإبداع، والاحتلال معطّلٌ للتقدّم المعرفيّ والتطور العلمي، ولذلك فإنّ من شروط الانتصار على الأوبئة والمجاعات وعلى الفقر والكوارث إرادة سياسية حرّة، ومناخ علمي يوفر للعلماء والباحثين الشروط والأدوات اللازمة للتفكير والإبداع.

إنّ الانتصارَ على الأوبئة مشروطٌ بعوامل كثيرة: بقيم اجتماعية وثقافية (التضامن الاجتماعي) وعلمية (دراسات وتجارب وبحوث..)، وقانونية، وبنية مادية تحتية (مشاف ودور للعزل والرعاية، وغذاء..)، وسياسية تتعلق بمدى قدرة الحاكم على ضبط خطط وتوجهات ناجعة وملزمة لإدارة الأزمة.

إنّ الجوائحَ من أخطر التحديات التي ما تزال تواجه الإنسانية والدول رغم كل مظاهر التقدم العلمي. ولعل ما يحدث اليوم من انتشار فيروس كورونا وتحوله إلى وباء عالميّ، حسب تصنيفِ منظمة الصحة العالمية، خير دليل على ذلك.

لا شكّ مطلقا في أن البشرية ستتغلب عليه، مثلما تغلبت على أوبئة كثيرة (الطاعون، الجدري، التيفوس، الكوليرا، الأنفلونزا..) وحدّت من انتشارها. ولكن بأي شروط، وبأيّ ثمن؟

إنّ وضعَ الدولِ والمجتمعات الحديثة يختلف جذريا عن وضعِها القديم. فاليوم، تعيش كلُّ الأمم والشعوبِ في ما يشبه القرية الصغيرة. لقد اُختصرت المسافاتُ الجغرافية وتشابكت المصالح وأصبح الاقتصاد عالميا، وبالتالي فإنّ التأثر مباشر وأكثر سرعة. إذ مثلما لا يحتاج الانتقالُ من جنوبِ العالم إلى شماله أكثر من ساعات عبر السفن والطائرات، ومثلما لا يحتاج تبادل البضائع أكثر من أيام ولا تحتاج الرسائل والأموال أكثر من ضغطة زرّ.. فإن حركة الفيروساتِ وانتشار الأوبئة كذلك. إنها عابرة للحدودِ وللقارات أيضا. وهو ما يعني أنَّ كلّ ظهور لوباء في مكانٍ ما وإنْ بدا قصيّا هو تحدّ أو كارثة إنسانية بامتياز، تحتاج إلى تضامن دوليّ وإلى تعاون الجميع على إطفاء ناره.

ذلك ما يمكن استنتاجه إذا قارنا بين تاريخ الأوبئة القديم، وما يحدث اليوم.

فجائحة كورونا (كوفيد-19) التي ظهرت في منتصف ديسمبر في مدينة ووهان وسط الصين، تضرب في فترة زمنية قصيرة جدا أغلب الدول في العالم شمالا وجنوبا، وتؤثر في بورصات المال وحركة المسافرين، وفي إيقاع الحياة اليومية في كل الأحياء والقرى على امتداد الجغرافيا العالمية.

في هذا الوقت العصيب الذي تمرّ به الإنسانية، والذي جعلنا نتشارك، بغض النظر عن ثقافتنا وألواننا وعقائدنا، في الخوف والقلق نجد أنفسنا في حاجة أكيدة، بل ضرورية، إلى أن نتشارك، أكثر من أيّ وقت مضى، على الأقل في ثلاث مسائل يمكن اعتبارها أهم الاستخلاصات من تاريخ الإنسان في مواجهة الجوائح هي: الثقة في العلم، والتضامن الاجتماعي، والانضباط لاجراءات السلامة والوقاية.

تلك هي أعمدة ثلاثة لإيتيقا الحرب ضد الأوبئة والجوائح، ولفلسفة الحياة المشتركة.

والحقيقة، أن الأدب والفلسفة المعاصرين قدّما لنا خطابات كثيرة في الإيتيقا بعدما عاين الفلاسفة والمبدعون ما حلّ بالإنسانية من خراب وفراغ روحيّ بسبب العنف والحروب على الهوية والاستبداد.. خطابات في إيتيقا التواصل وإيتيقا العدالة وإيتيقا الحب وإيتيقا التضامن والتسامح والتحمّلِ.. قد الصرخة الأخيرة لتستمرّ الحياة، بعد أن انحرفت إيديولوجياتٌ كثيرة وبعد أنْ انحرفت تطبيقات العلم.

إننا في ظل الأوبئة والجوائح في حاجة أكبر إلى الإيتيقا والأخلاق فلسفة في الحياة، لأن التغلب على الأمراض والأوبئة والمجاعات ليس برامج علمية وخططا اقتصادية فحسب، بل هو بالأساس قضية ثقافية وأخلاقية.

إن الأوبئة والجوائح التي لا تختفي إلاّ لتظهر من جديدٍ، في ظل انحرفاتِ الفكر وتشجيع الأنانيين ستكون أشدّ وقد تعصف بحياة النوع على البسيطة.

رغم ذلك ثمة ضوء، وثمة غريزة تناضل من أجل استمرار الحياة. ضوء ينشره رجال ونساء من كلّ الأديان والألوان والهويات والاختصاصات، تحمّلوا وما يزالون الأمانة الكبرى، وضحوّا بالنفيس من أجل الحياة والإنسانِ، شريعتهم التضامن قانونا لبقاء النوع، لبقائنا جميعا، وليس للأقوى أو للأصلح.

د. رضا الأبيض

* استاذ جامعي وناقد تونسي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking