آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

141876

إصابة مؤكدة

874

وفيات

135303

شفاء تام

كان لي الشرف أن أعرفك عن قرب، بل كنت قريبة جداً منك منذ 1996 حتى 2013، حيث تمّ نقلي من مركز صباح الأحمد للقلب ليبعدوني عنك ولم تبتعد!

فاستمرّ فطورنا معك أيّام الثلاثاء، حيث تقدم لي بكل محبّة «البابايا» وبيض العصافير! وكنت تتجاهل حدث نقلي المزعج لي وتسألني مراراً: «إشلون مستشفاج؟». وكنت أبادلك الابتسام وأقول: «عال العال»؛ لأن نفسي أبت أن أشتكي وأنت مثقل آنذاك بهموم وأحداث «كرامة وطن»!

فقد كان إنشاء مركز صباح الأحمد للقلب هديّة عيد ميلادي 3 مايو 2009، حيث كنّا على مائدة العشاء (مجبوس الحبارى) فقلت لي: «الله يحقق كل أمنياتج». فقلت لك: «أمنيتي أن تتم قسطرة مرضى القلب ممن أصابتهم الذبحة الصدرية أو الجلطة القلبية في مستشفى الأميري بدلاً من تعرضهم لمضاعفات النقل في الإسعاف إلى المستشفى الصدري». أبهرني حماسك لتخفيف آلام المرضى، وتعجبت أنك على الفور اتصلت بأطباء القلب في مستشفى سانت لوكس في نيويورك وأعطيتني الهاتف لأشرح مشروعي وتصوري، فكان أن تسلمت الأرض في 29 مايو 2009 ليكون تبرّعك السامي مخاضاً لميلاد مركز صباح الأحمد للقلب في 10 فبراير 2010. وقد أكدت دعمك لمرضى القلب في زيارتنا لك يوم 23 أغسطس 2013 كأعضاء مجلس إدارة جمعية القلب الكويتية، ولن أنسى حماسك للقاء السير مجدي يعقوب 2015، ولكنك كنت رجل السلام الذي اضطر إلى السفر إلى الرياض، فتفضّل نجلك الشيخ ناصر بمقابلته نيابة عنك.

كيف أسرد محطّات الحياة معك وأنت تعلمني النبل والحكمة والتواضع! وقد علّقت يوماً على ساعتي «الذهب» فرفعت رسغك وقلت لي: «هذه ساعتي بخمسين ديناراً فقط»! (ومنذ ذلك حرصت ألا ألبسها أمامك)؟!

كان أول لقاء بك خارج المستشفى عام 1999، حيث كان نجلك الغالي الشيخ ناصر يتحدث حول مشروع طريق الحرير على مائدة الغداء، كنت متحمساً لأفكاره ورؤيته الاقتصادية لبلادي الشامخة، ولم أكن أعرف آنذاك أن أفكاره وخطتّه ومساعيه في تنفيذ «الكويت الجديدة» قد مشت على الشوك قبل أن تحبو على الحرير!

كيف أنسى وما زلت أحتفظ بكاميرا وهاتف صغيرين بحجم الأصبع، أهديتهما إليّ بعد عودتك من الصين عام 2004، فشغفك بالإلكترونيّات كان لافتاً، وقد عاهدت شعبك أن تكون الكويت مركزاً اقتصادياً محوريّاً؟!

كيف أنسى تواضعك وأنت تقود سيارتك من دون حرس إلى عيادتي الخاصّة سنوات قبل 16 أبريل 2004، يوم تربّص بي البعض وادعى أنني لا أستحق ترقيتي في قاعة عبدالله السالم! كان ذلك اليوم الوحيد الذي جئت فيه إلى عيادتي الخاصّة ومعك الحرس والصافرات لتعلن للجميع أنك تتعالج على يدي، كان ذلك اليوم المهيب بداية لحروب مهنيّة شرسة من البعض ولا ألومهم، فشرف خدمتك صحيّاً والوجود بقربك كان عظيماً كعظمة شخصك، وتستحق مني ما تكبّدته من آلام مهنيّة كان يسكّنها آلاف المرضى الذين يعرفون حقائق الأمور؟!

كيف أنسى يوم 29 يناير 2006 أنّك أثناء أدائك اليمين الدستوريّة ونطقك السامي كانت حرارتك مرتفعة جدّاً، وقد قدّمت لك جرعة المضاد الحيوي بالوريد لتقدّم لنا تحت قبّة عبدالله السالم قسماً بررت به بالتمام والكمال ومنحتنا الأمن والأمان بكل فخر وإعزاز؟!

كيف أنسى يوم 19 أبريل 2006، حينما رجوتك ألّا تذهب إلى موريتانيا لحضور المؤتمر الإسلامي لتوعكك آنذاك، خشية أن التطعيمات لأفريقيا تؤثر في مناعتك، فزجرتني، ولأول مرّة: «دكتورة، طبّج على عيني وراسي، بس لا تقولين لي وين أروح وين ما أروح!»، كنت غاضباً مني، سامحني يا قطعة من قلبي أنني أغضبتك لحظة من حياتك الزاخرة بالابتسام، رغم أنك فضلت الانحياز لرأي الطب وأنبت عنك عضيدك الغالي سموّ الشيخ نوّاف الأحمد، حفظه الله؟!

وكيف أنسى اتصالك بصوتك الحنون وأنت تطلب مني حمل حقيبة وزارة الصحّة واستمررت على إصرارك لمدة ٣ أسابيع وبعدها قلت لي: "ليش ما تحطين الإيشارب اللي على كتفك على راسك علشان النوّاب يسكتون!"؟!

ولكن يبقى مصابي الجلل هو يوم 23 يوليو2020، يوم نقلك من المستشفى في الكويت إلى أميركا... إلى أن شاهدت العلَم على جثمانك وقد انحنيتُ بكاءً ونشيجاً! وذرفت من الوجد دموعاً وأنا أشعر بأنني في بحر مظلم بين جبال الهموم من دون شواطئ!

أما الآن وقد ابتعدت عن الجميع ودخلت لحدك، فقررتُ ألا أهبط بآلامي وأحزاني إلى دهاليز نفسي، ولن أودع آلامي في عمقها، وإن كنت قد أوصدت أبواب الصمت والكتمان، فقررت أن أرثيك يا من أبهرتنا شيخاً ووزيراً للخارجية ورئيساً لمجلس الوزراء وأميراً.. أميري الغالي، إن روحي التي هامت حائرة في ظلمات لحدك ستهدأ عندما تدخل الشمس من ثقب لا نراه لتؤنس وحدتك وتستكمل ابتسامتك ووجهك الوضّاء الذي سيشع من لحدك. فالرعدة التي شقّت صدر الكويت جزعاً وحزناً على غيابك سيعقبها نور وغيث، بل «بارقة» في سماء الأمل بعضيديك، حفظهما الله. نموت نموت وتبقى الكويت.

د. فريدة الحبيب

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking