آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

142635

إصابة مؤكدة

880

وفيات

137071

شفاء تام

لقد بالغ الرئيس الفرنسي في تطبيق «حق التجديف»، وفقاً للدستور الفرنسي، عندما رفع الصور المسيئة للنبي (صلى الله عليه وسلم) على بعض المباني الحكومية. فمع بشاعة الجريمة التي ارتكبها عبد الحق أنزوروف الشاب الفرنسي من أصول شيشانية والذي أتى إلى فرنسا مع عائلته عندما كان عمره 6 سنوات، فإنّ رفع الصور من قبل الدولة كان جارحاً لمشاعر ملايين الفرنسيين المسلمين. فلا شك في أن تكوين ثقافة مشتركة لمواطني البلد الواحد أمر جوهري. لكن هناك من الغنى في الثقافة الفرنسية ما يجعلها جاذبة من دون فرض حق التجديف بمقدسات الفرنسيين الجدد. هناك الآلاف من الكتب الناقدة للأديان بصورة منهجية وعلمية لم تثر غضباً ولا عنفاً، فلماذا تجرح المشاعر بصورة فجة، معطية الفرصة للمتطرّفين في الظهور؟!

ويرجع هذا الى ان فرنسا تختلف في مواقفها من الأديان بشكل عام. ذلك لأن العلمانية الفرنسية لم تتطور باليسر الذي تطورت به العلمانية في دول، مثل بريطانيا وألمانيا، فمقاومة الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا لنشأة العلمانية منذ بداياتها جعلت من علمانية فرنسا أكثر تطرّفاً. فلقد كان للكنيسة الكاثوليكية مركز ثقل كبير في الدولة والمجتمع في فرنسا، لم يكن متوافراً للكنائس اللوثرية في ألمانيا والإنجليكانية في إنكلترا، وكلتاهما بروتستانتيتان.

لذا، كانت علمانية فرنسا متوجسة دائما من هيمنة الدين على مفاصل الحياة، حيث أصبح من مظاهرها السيئة أن يسمح القانون الفرنسي بجرح مشاعر مواطنين جدد نسبيا على الثقافة الفرنسية. فالحصول على الجنسية الفرنسية لا يمنح المتجنّس مدخلا تلقائيا للثقافة الفرنسية. قد يتلقف الثقافة الفرنسية من حصل على الجنسية بعد أن أصبح أستاذا جامعيا، أو روائيا، أو مهندسا، لكن هؤلاء الذين يعيشون على هامش الحياة، مثل الشيشاني القاتل ووالده، سيحملون ثقافاتهم لعقود. ولن تتغيّر ثقافاتهم من دون تحسن في وضعهم الاقتصادي.

هذا، ومن جهة أخرى، نجد أن دولاً أخرى قد استوعبت مهاجرين ولاجئين، كانت أكثر تسامحا مع قيم أخرى. فالحجاب لم يُمنع في المدارس، لا في ألمانيا ولا في بريطانيا، ولا الولايات المتحدة، بل إن هذه الدول لا تفرض علمانيتها على مواطنيها الجدد. وإن حدث أن شعرت بأنها ارتكبت خطأ تعتذر عن ذلك. فقد نشرت مثلا صحيفة نيويورك تايمز في عام 1974 اعتذاراً بعد أن نشرت صورة لسجادة فارسية يظهر فيها النبي محمد متحدثاً إلى جبريل، وفي حادثة أخرى كان توجد على مدخل محكمة الاستئناف في منهاتن في نيويورك تماثيل لقادة وأنبياء وحكماء ساهموا في وضع القوانين للبشر، وكان من بينها تمثال للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وموسى (عليه السلام)، والإمبراطور الروماني جستينيان وكونفوشيوس. وقد وضعت هذه التماثيل في نهاية القرن التاسع عشر، وقد طرحت المحكمة مناقصة لصيانتها عام 1955، فانتبه إلى ذلك سفراء مصر وباكستان وأندونيسيا الذين احتجوا لدى حكومة نيويورك. فما كان من محكمة الاستئناف إلا أن رفعت تمثال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من بين التماثيل.

هذا، ويبقى موضوع الدين وتداخل الهويات وتشكيلها من جديد موضوعاً مهمّاً جاذباً لأبحاث عديدة في علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس. كما أن للسياسيين مواقف مهمة، لأنها تشكل السياسات التي تتعامل معها الدول المستقبلة لللمهاجرين. وحول هذا الموضوع يعتبر الخطاب الذي ألقاه وزير خارجية فنلندا إيركي توموجا Erkki Toumioja في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية في 14 مارس 2006، أي بعد حوادث «شارلي إيبدو»، وثيقة سياسية إنسانية، تشرح أسباب التشنج في العلاقات بين المسلمين والأوروبيين. فاحتج الوزير على تسمية الأزمة أنها أزمة رسوم الكرتون. وذكر أنه لو لم يتراكم الغضب لدى المسلمين بسبب الرسوم لتكون لسياسات الدول الأوروبية والولايات المتحدة من جهة، ومن فساد الانظمة والدكتاتوريات في الدول الإسلامية نفسها. وأقتبس قول عبدالله جول، رئيس منظمة التعاون الإسلامي: «علينا أن نعمل على ترتيب بيوتنا».

هذا، ومع بشاعة الجريمة التي ارتكبها هذا الشيشاني الشاب، فإن شحن العواطف «الإسلامية» ما زال مستمرّاً، والذي سيكون المسلمون الأوروبيون الأكثر تضرراً منه. وقد تحدثت مؤخراً مع فرنسي من أصل جزائري أنهى دراسته العليا في المحاماة، أخبرني أن مقتل المعلّم قد أضر بعلاقتهم مع الفرنسيين الآخرين، على الرغم من أنه وُلِد ونشأ في فرنسا، وانه يفكر في الهجرة إلى بلد أكثر تسامحاً، مثل لوكسمبورغ، أو بريطانيا. وعندما نسمع ونقرأ ردود الأفعال الإسلامية، ندرك أنه لدى البعض ما زال الذبح هو الوسيلة الأنجع لمن يتجرّأ على المساس بشخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم).

لذا، أرى أن المعلم الفرنسي صاموئيل باتي لم يكن الضحية فقط لخطأ ارتكبه ولم يكن يتوقع أن يؤدي إلى ذبحه من قبل عبد الحق أنزوروف، الشاب الشيشاني الأصل الذي كان ضحية كذلك. وهو ضحية، ليس لأنه قُتل من قبل الشرطة الفرنسية، وإنما لأنه دفع من بيئة متطرّفة على ارتكاب هذه الجريمة. ليست هناك ضرورة أن يتشرّب بثقافة فرنسية ليكون مسالماً، وإنما أن يقرأ قوله تعالى: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ...». (النساء: 140)، وأن يتعلم من قوله تعالى: «وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً». (المزمل: 10).

لذا، يبقى القتل أشد ظلماً من أي فعل يرتكب بمقدساتنا. هذا لا تعلّمه فرنسا لنا، إنما ما يأمرنا به ديننا.

د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking