آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

142635

إصابة مؤكدة

880

وفيات

137071

شفاء تام

1 - تأثير الواقعة

في البدء لا بد من تحديد مسار معين يبتعد كثيراً أو قليلاً عن السائد والمألوف في تناول موضوع كهذا معقد وشائك، ألا وهو التعصب الدّيني، هذا المسار يجب أن يكون خارج الأطر التقليدية والمتداولة، لكون هذه الأطر (المتداولة اليوم) هي نفسها قد أصابها البلى، وقد دخل في مكوّن فهمها الجمعي كثير من الخلل، حتى أصبحت ذات مقبولية رائجة وهي مبنية على أفكار خاطئة. المسار المقارب أو المقترح هو «التحليل المعرفي للواقعة وقياس شدّة تأثيرها اللاحق». قد نجد كثيراً من الأمثلة التي تصلح للاستدلال بها على منشأ هذا التعصب، إلا أن المثال الأكثر صدقية هو النّص القرآني الذّي نعتد به عن الزلل. وقد أورد هذا النّص كثيراً من الآيات التي تسرد وقائع يكون فيها أحد الأطراف قد تعصب لأمر ما فأدى تعصبه إلى ما يشبه الكارثة، ومن تلك الوقائع قصة ابني آدم قابيل وهابيل المعروفة عبر التأريخ بالخطيئة الأولى «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» (المائدة: 27).

من هذه الواقعة تبدأ معضلة التعصب الدّيني، إذ نشهد وبحسب منطوق النّص أن أحد ابني آدم قال: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ»، وهذا تفضيل ذاتي مبنيٌّ على حكم شخصي يعتمد الرأي الواحد، مما دفع بالابن الآخر الى أن يرد بمستوى التحدي الذي واجهه، فما كان منه إلا أن دبّر لأخيه مقتلة جرّت الويلات على البشرية جمعاء.

2 – حكم العائلة

في حدود العلاقة الاجتماعية نشأت علاقات إنتاجية وقد افرزت الأخيرة حاكماً ومحكوماً، وبالتالي فرض مشيئة الحاكم على المحكوم. منذ أن بدأ الإنسان الأول مسعاه الى توسيع حدود تواجده على الأرض بدأ الصراع على فرض المفهوم، الذي انتج مشكلات جذرية في تقبل الآخر والتعايش معه على أساس أن الأرض تسع الجميع، كان هذا في مرحلة تطور منتج الحقل، وقد تعاظم ضرر التفرد بالرأي عندما دخل الإنسان مجال تطويع الآلة لفرض السيطرة والنفوذ، الأمر الذي جرّ مالك الآلة إلى ارتكاب أفظع الجرائم بحق الانسانية، مثالها التطرف النووي الذي مارسته القوى المتحكمة بالآلة في حربها التي سعت من خلالها إلى فرض الفهم الواحد من طرف واحد. يُدخِل هذا الضاغط المهيمن على المتلقي الخاضع لسلطة ونفوذ «مالك الآلة» فهماً يتناسب وحجم الضرر الذي تسببه ممارسات تلك الآلة في حياته اليومية وفي تأريخه الثقافي وفي بيئته الاجتماعية، البيئة الاجتماعية التي تكون الخاسر الأكبر لتحكم الآلة، وهكذا يبدأ جسم المتلقي بإنتاج فعل مضاد يكون في أغلب حالاته متعصباً لرأيه ومتطرفاً في سلوكه، ويتبلور هذا التضاد إلى أن يصبح ردود أفعال خاطئة مبنية على فهم خاطئ.

3 – التوظيف الأيديولوجي

يعتمد البناء الأيديولوجي بصفته «جزءاً من البناء الفوقي» على ديمومة التطاحن والاستنزاف، إذ إن إفراغ أحد طرفي أية قضية ما، من قدرته على توصيل أفكاره، سيخلق بالنتيجة مدافعاً مشغولاً بالدفاع عن قضيته وعن نفسه، هكذا يتحول هذا المستَهدَف إلى «أداة» طيعة بيد التوظيف الأيديولوجي من حيث محاولته تحويل انهزامه إلى انتصار يعتقده مستحقاً بوجه من حاول استلابه، هكذا تنشأ لدى الأقليات الدينية والاجتماعية ما يسمى بـ«الولاء، والمعارضة»، حيث إن الأقلية يمكن لها أن تبقى ضمن إرادة الأكثرية بالولاء، وإذا رفضت هذه الإرادة تتحول إلى المعارضة، وقد تأخذ هذه المعارضة أشكالاً مدمرة في حال تعلق الأمر بالصراعات الفكرية والمادية.

4 – سلطة الدّين

يذهب الفرد متحملاً معتقد مجتمعه ومحيطه وعالمه الذي يولد فيه، ولا خيار لكثير من البشر للتخلص من هذا الإطار، حيث هو امتداد يصوره رجال الدّين على أنه من المسلمات التي يجب أن تمر من دون مناقشة أو إعادة تقييم على الأقل. وتبُنى عبر مراحل تَكوّن هذا الكائن العديد من العُقد التي تأخذ على عاتقها الامساك بكل مقدراته وتحويلها إلى وقود قابل للاشتعال في كل الظروف، وذلك عبر ممارسات شتى وبذرائع مختلفة، مع تواصل هذا الضغط يتحول هذا الكائن إلى «القناعة التامة» بأن كل متبنياته التي ورثها عبر التلقين الدّيني هي خلاصة الفهم، ويمكنها أن تكون البديل الدائم عن كل متبنيات الآخرين، الأمر الذي يدفعه باتجاه الإيغال في توسعة حدود صلاحياته لتشمل متبنيات الآخرين، أي بمعنى هدم الجدار الفاصل بين حقوق الفرد ووجوده، وهكذا ينشأ التطرف في فرض الأفكار تحت شتى الذرائع ودائماً من خلال الحديث باسم الدّين.

5 – المشكل العراقي

الحالة التي يشهدها المجتمع العراقي في هذه المرحلة المعقدة من تأريخه المعاصر، من انقسام على شتى الصعد، ما هي إلا تعبير مباشر عن الخلافات التي تحيط بكامل المجتمع الإسلامي والعربي. ومن المعروف مدى عمق الشق الذي أحدثته انقسامات المسلمين الأوائل في حياة النّبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وبعد وفاته، وهي في الحقيقة تحمل جزءاً من الموروث القبلي للعرب قبل الإسلام، ورث المجتمع العراقي كل تلك التركة من الخلافات الإسلامية العربية، فهو من حيث جغرافيته وطبيعة شعبه وعمقه التأريخي كان ولما يزل مطمع كثير من الأفكار الاستحواذية، الأمر الذي رسّخ عبر تعاقب المحن التي مرّت عليه، مبدأ الاحتكام إلى الفهم الأحادي الجانب، حيث تجد نسيج المجتمع متوحداً عبر كل متطلبات البناء المجتمعي المتعاضد، إلا أنه نادراً وعبر فترات محدودة من الزمن، تجده ينجح في إحلال هذا التعاضد محل التعايش، وقد لعب الساسة الذين حكموا العراق دوراً مهماً في هدم الأواصر الاجتماعية ما بين أبناء مكوناته، حيث تفرض مقتضيات مصالح الحكومات المتعاقبة على العراق من أن تضعف جانباً من شعبه على حساب أثرة جانب آخر، وهكذا، وعندما جاءت ضربة الإرهاب التي اجتمعت فيها مصالح مشتركة لقوى معادية للعراق، وقد أحدثت هذه الضربة الممثلة بالهجوم الوحشي لعناصر «الأفكار المتطرفة التي تتزيا بلبوس السلام، من مثل القاعدة وداعش، ومن يواليهما من الأنظمة التي لها مصلحة في أن يظل العراق ضعيفاً ممزقاً» على الأرض العراقية، أحدثت نوعاً من الرجة التي يُختبر بها «البناء الجاهز»، فثبت أن مكونات المجتمع العراقي تحتاج إلى الكثير من قنوات التواصل التي تغربل محصلات الماضي، لتنتقي ما هو صالح منها للاستمرار بالحياة.

6 – الأقليات

مما يؤسف له أن الأقليات في العراق هي أقليات مكونات مكانية، بمعنى أن هذه الأقليات مرتبطة بالمكان الذي تنتمي إليه، أكثر من ارتباطها بأي مكان آخر من رقعة البلد، الأمر الذي خلق أماكن تسمى بأسماء ساكنيها، وهذه الأماكن تحولت عبر الزمن إلى جزء من الحقوق، التي لا يحق لغير قاطنها المطالبة بها. وهكذا اضافة لخسارته الانضمام الى المجموعة التي تمثل «إرادة كلية»، خسر كذلك فرد الأقلية حقوقه بباقي أراضي بلاده، وأصبح يَنظرُ إليه مالك السلطة الرافض لوجوده، على اعتباره فاقداً للحق العام، وهو أي فرد الأقلية لا يمكنه أن يكون موجوداً سوى على تلك الرقعة المحدودة من وطنه، مما خلق هذه التمزقات التي يشهدها المجتمع العراقي اليوم.

-7 المخلص

في كثير من الدّيانات السماوية يوجد ثمة مخلص، عليه أن يتولى مسؤولية تنظيف الفوضى التي أحدثها البشر خلال فترة وجودهم على الأرض، اي بعد انتهاء مدة صلاحية البشرية، وتثبت التجارب القاسية التي مرّ بها المجتمع البشري أن هذا المخلص هو موجود على الدوام، حاضر بين النّاس، فعندما ينصهر الإنسان أمام المعضلات الاجتماعية مع أخيه الإنسان، فإن هذا المخلص يظهر جلياً عبر ممارسات عفوية تستطيع توحيد الجهود للخروج من الأفق المسدود، إلى الأمد الأرحب، لكنه على الرغم من فاعليته الوهمية يظل هذا المخلص جزءاً من معضلة تنامي التعصب الديني.

واثق غازي*

* شاعر وناقد عراقي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking