آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

141876

إصابة مؤكدة

874

وفيات

135303

شفاء تام

الخلايا المنظّمة والنائمة ـــــ كما يُطلق عليها، التي تتخذ من الشريعة الإسلامية منبراً لها ـــــ استطاعت أن تقلب المعادلة السياسية في أوروبا عموماً، وفي فرنسا على وجه الخصوص؛ لانتشارها التقليدي فيها، من خلال جرائمها المدبرة، التي راح ضحيتها عشرات الأبرياء، وآخرها الجريمة النكراء التي تقشعر لها الأبدان وتشمئز منها النفوس، عندما نحر متشدّد إسلامي المعلِّم الفرنسي صامويل باتي، ما أدى إلى رد فعل مجتمعي عنيف في فرنسا، أعقبته حوادث «عصبية»، وصلت إلى حدّ التطرف.

قد يكون السلوك مبرراً عندما يغضب المجتمع الفرنسي أمام هول هذه الجريمة النكراء، كما غضب المجتمع المدني العالمي بأسره، لكن الخطر الذي يجب أن نتوقف عنده أن ينتقل هذا التطرّف العصبي إلى القيادة السياسية الفرنسية، التي كان شعار دولتها الوطني «حرية.. مساواة.. إخاء»، حتى وصل هذا التطرّف إلى رأس الدولة الفرنسية، رئيسها إيمانويل ماكرون بنفسه؛ ليعالج تطرّف حفنة، تدّعي أنها تمثّل الإسلام بتطرّف أكبر، تقوده دولة عظمى، ضد الشعوب الإسلامية برمّتها.

إن هذا التطرّف الذي تَملَّك «اليمين الفرنسي» أخيراً، بدأ ينعكس على جماعات متطرفة أخرى في أوروبا، نشطت في الخفاء، وبأسلوب الخلايا النائمة، عندما توالت الأحداث الدموية للمتطرفين الإسلاميين، فانتعش عندئذ هذا اليمين المتطرّف، لمواجهة «التطرُّف الإسلامي»، مستغلاً الأضلاع المهشّمة للمنظومة السوفيتية، وكل الدويلات التي ظهرت في المعسكر الاشتراكي، ويوغوسلافيا السابقة.

ففي بداية التسعينيات حدثت تغيُّرات كثيرة في أوروبا نتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكّك الكتلة الشرقية وتأسيس الاتحاد الأوروبي، وظهرت دويلات جديدة، بدأت تبحث عن أصولها العرقية، وهو ما ساهم في ظهور النزعة القومية واليمينية المتطرّفة عند كثيرين من الأوروبيين. وبدأ اليمين الأوروبي ينشط حينما تشكّل ممن يسمونهم «النازيين الجدد»، وأغلبهم من المهاجرين الأوروبيين الشرقيين، الذين وجدوا مهاجرين آخرين (لا سيما المسلمين: البوسنيين والشيشانيين والداغستانيين، وغيرهم) مزاحمين لهم في الوظائف، مع العلم أن الأوروبيين أنفسهم لا يعتبرونهم منهم!

ومنذ عام 2005، بدأ اليمين الأوروبي المتطرّف يُنظِّم نفسه ويشكِّل خلايا مسلحة، وشرع يؤسّس تنظيمات سرّية لمكافحة ما أسماه «أسلمة أوروبا»، وانتشر بشكل كبير في بلجيكا، هولندا، الدول الإسكندنافية، فرنسا، وإيطاليا، إضافة إلى دويلات المنظومة الاشتراكية.

وهكذا، فإن التشدّد والتطرّف، وما يسمونه «الراديكالية»، كلها سيّان، لا تعرف ديناً أو مذهباً أو قومية أو مِلّة، كما أن النظرية الإقصائية في عقيدة العصابات التي تظهر باسم الإسلام هي الإقصائية ذاتها التي يريدها اليمين المتطرّف في أوروبا وفرنسا؛ فالأولى تبحث عن تصفية الجسد، في حين يحاول الثاني تصفية عوائل برمتها.

إن رسالة القبس الأزلية أن تظل منبراً صلباً قوياً للدفاع عن الليبرالية والحريات واختلاف الأديان وجميع المعتقدات، والحقيقة التي يجب أن نضيئها أن الليبرالية مطالبة اليوم بالانتفاض على المنهج الإقصائي الذي سلكته فرنسا أخيراً، كما انتفضت على «الإسلام المتطرّف» في جميع المناسبات السابقة.. فالليبرالية الحقة لا تقبل تقييد الحقوق، والحريات، ولا تقبل حتماً التنكيل بحقوق الإنسان وتهجير مئات الأسر المسلمة التي تعيش على الأراضي الأوروبية.

إن معالجة «التطرّف الإسلامي» بـ«تطرّف اليمين الأوروبي» لن ينجم عنها إلا مزيد من العنف، وستكرّس الكراهية وستنمّي العدوانية، لذا نتمنى ألا تلجأ دولة عظمى مثل فرنسا إلى منهج الإقصاء الذي سيضعف من قيمها الليبرالية ومن كونها البلد الذي كان رائداً في حركة التنوير.

القبس


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking