آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

142195

إصابة مؤكدة

875

وفيات

135889

شفاء تام

يخبرني صديق هندي، معلقا على ارتفاع نسبة الكراهية والعنصرية ضد المسلمين والأقليات الأخرى في المجتمع الهندي، منذ صعود ناريندرا مودي وحزبه اليميني إلى السلطة قبل ست سنوات، أن كلمة «السلام عليكم» في مكان عام صارت أشبه بالمحرمات. تصورت أنه يبالغ بعض الشيء لكنه يشرح قائلا: إذا تلقيت مكالمة هاتفية وقال لي الطرف الآخر «السلام عليكم» فإنني مجبر على النظر حولي بعناية قبل أن أرد بسلام مماثل، خشية أن يكون من حوله من الهندوس، الذين تشبعت أغلبية منهم للأسف مؤخرا بكراهية غريبة ضد مواطنيهم المسلمين. وما كانت تظاهرات المسلمين والنخبة الليبرالية الهندية العام الماضي ضد قانون الجنسية المجحف بحق المسلمين في دلهي العام الماضي وما تخللتها من تجاوزات عنيفة من قبل الشرطة وحرق بيوت المسلمين ومحالهم إلا جزءاً بسيطاً من تنامي تلك المشاعر العدائية وفق تقديره.

المجتمع الهندي عرف بتعدديته منذ عقود طويلة، كما حافظ طوال تلك العقود على مسحة ديموقراطية علمانية، تعتبر الأكبر في العالم اليوم. لكن مجيء مودي على ظهر برنامج عنصري إقصائي غيّر الكثير خلال السنوات الست الماضية. مجتمعات أخرى أكثر انفتاحا وعلمانية شابها الشيء الكثير من هذه الأعراض المميتة في سنوات أقل، وفي البال الولايات المتحدة التي مالت كثيرا إلى اليمين خلال السنوات الأربع الماضية، والتي تلت سنوات قليلة فقط من انتخاب رجل أسود، باراك أوباما، سيدا للبيت الأبيض، الأمر الذي أثار اعجابا عالميا بالتعددية الأميركية. ولكن بدا واضحا إثر فوز دونالد ترامب بالرئاسة في 2106 أنه كان هناك «تحت الرماد وميض جمر» كثير ينتظر الفرصة ليطل برأسه ثانية. وما انتشار الفيديوهات العنصرية التي يطالب فيها رجال ونساء بيض آخرون من العرب والمسلمين وغيرهم من المهاجرين «بالرحيل عن بلادنا» إلا مظهر بسيط من ذلك الوميض. حتى إن البعض يحذر من «أن يكون له ضرام»، وعنف غير مسبوق، في حال لم تأت الانتخابات الرئاسية الأسبوع المقبل على هوى الرئيس ترامب ومناصريه.

العنصرية في معناها المطلق نوع من الظلم، فهي غالبا ما تنشأ عند الغالبية التي تنظر بعنصرية أو فوقية إلى الأقلية التي تناضل ببساطة من أجل الحق في حياة كريمة.

يقول ابن خلدون في مقدمته «ان الظلم مؤذن بخراب العمران»، ويعني بذلك زوال الدول والأمم. نشوء الدول وازدهارها عند ابن خلدون وغيره من المفكرين مرتبط بانتشار العدل والمساواة، فيما يؤذن الظلم، بما في ذلك العنصرية، بقرب زوالها.

في عصرنا هذا لا يمكن على الأرجح التنبؤ بزوال دول من على الخريطة بسبب ارتفاع منسوب العنصرية في المجتمع. ولكن من المؤكد أن الدولة ستضعف وتصبح هامشية، يغشاها الاستقطاب المجتمعي ويغلب عليها الفساد. نظرة سريعة إلى دول عدة في منطقتنا العربية تغني عن البحث والاستقصاء في هذا الأمر.

الولايات المتحدة لن تنهار لأنها قادرة على تجديد نفسها، لسبب رئيسي يتمثل في قدرة المجتمع، لا سيما مثقفيه ومؤسساته الاكاديمية والبحثية والإعلامية، وحتى جزء لا بأس به من النخبة السياسية، على مواجهة الظلم المتمثل بالعنصرية والطبقية. وهذا كان واضحا في موقف معظم وسائل الإعلام الرئيسية ومراكز البحوث خلال أربع سنوات من حكم الرئيس ترامب. ففي ظل سيطرة جمهورية على مجلس الشيوخ، المنوطة بها مهمة مراقبة أداء السلطة التنفيذية، وهي سيطرة محابية للرئيس ترامب، تولت الأوساط الثقافية والإعلامية والأكاديمية الأميركية مهمة مراقبة ونقد أداء ترامب والوقوف ضده في محطات مهمة.

وهذا ما تفتقده مجتمعاتنا اليوم، حيث لم يستهجن قطاع كبير من «المثقفين» تفشي وربما غلبة العنصرية بشكل غير مسبوق، بل وربما شارك عدد كبير منهم في صب الزيت على النار في ظاهرة مقززة. حين النظر مثلا إلى موضوع البدون من هذه الزاوية، فإن «خيانة المثقف» التي تحدث عنها كثيراً الراحل ادوارد سعيد، تبدو جلية. ويشمل ذلك الموضوع الفلسطيني ومسألة الفقر المتزايد ومأساة اللاجئين السوريين وغيرها من مسائل «محرجة» للنخبة العربية التي فضلت النأي بالنفس عنها رغم وضوح الجانب العنصري والطبقي فيها.

العالم قرية صغيرة. وانتشار تيارات يمينية عنصرية في مجتمعات مما قد يكون معديا لمجتمعات أخرى. ولكن قدرة المجتمعات على البقاء متماسكة مزدهرة تكمن في مواجهة ذلك الظلم. من المتوقع أن تتجاوز الهند مثلا، وبالطبع أميركا، الفصل الحالي من اختلال الميزان السياسي والمجتمعي. السؤال الملح هو عن مقدرة مجتمعاتنا في التغلب على تراثها العصبي في سبيل محاربة عنصرية بغيضة بين ظهرانينا. أشك في ذلك، وأنا لست عادة من المتشائمين.

محمد سالم المزعل

@Almezel


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking