آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

125337

إصابة مؤكدة

773

وفيات

116202

شفاء تام

أ. د. عبدالله محمد الهاجري

أ. د. عبدالله محمد الهاجري

إعداد: سعدية مفرح -

بعد مضي 26 عاماً على إنشاء جامعة الكويت لمركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، الذي يعنى بالبحوث والدراسات العلمية المتعلقة بقضايا تهم الكويت والخليج والجزيرة العربية بشكل خاص، وقضايا شرق أوسطية ودولية بشكل عام، قرر القائمون على هذا المركز، الذي يرأسه الدكتور فيصل أبو صليب، أخيراً إصدار مطبوعة دورية جديدة تهتم بنشر بعض الكنوز التاريخية التي يحتويها أرشيف المركز بهدف إطلاع الباحثين والقراء المهتمين عليها وتوفيرها لهم بشكل ميسر ومرفقة بتعليقات علمية يكتبها نخبة من الباحثين بهدف تأصيلها والتعريف بها علمياً وتاريخياً وبما يسهل مطالعتها على من يود الاستفادة منها بدلاً من الاطلاع عليها في أصولها التي تراكم عليها غبار التاريخ بما جعل من الصعب قراءتها من قبل غير المختصين.

العدد الأول من هذه الدورية، التي صدرت قبل أيام بعنوان «وثائق تاريخية»، احتوى على 3 موضوعات أو وثائق تاريخية مهمة يقرأها ويعرضها ويحللها ويعلق عليها علمياً ثلاثة باحثين كويتيين هم: الدكتور عبدالله الهاجري الذي يساهم في العدد الأول من الدورية بوثيقة عنوانها: «الكويت في مخطوطة مرتضى بن علوان عام 1709م»، أما الدكتور علي الكندري فيساهم بوثيقة تتحدث عن زيارة القنصل الروسي في بوشهر للكويت عام 1901م، أما الوثيقة الثالثة فنقرأها بعيون الباحث باسم اللوغاني وهي تتناول أملاك الكويتيين قديماً في البصرة والفاو في العراق.

واحتفاء بهذا الجهد البحثي المميز وتعريف بالعدد الأول لدورية «وثائق تاريخية» والتي نتمنى أن تكون إضافة لإسهامات الكويت المهمة في المكتبة العربية نستعرض معكم مقتطفات من هذه الوثائق، كما قدمها الباحثون الثلاثة، على ثلاث حلقات بإيجاز صحافي لا يغني عن قراءتها كاملة في الدورية لمن يريد التوسع، خصوصاً أننا أغفلنا في هذا الإيجاز الهوامش المرجعية لحث المهتمين على الرجوع إليها في أصل الدورية حرصاً على الدقة.

متى تم اكتشاف المخطوطة؟

صورة لمخطوطة ابن علوان

في أواخر عام 1977م عقد في الرياض مؤتمر علمي دولي لدراسة مصادر تاريخ الجزيرة العربيّة، وكان من ضمن الحضور لهذا المؤتمر الدكتور أولترش هارمان من جامعة فرايبورغ الألمانية، وهو الذي تحدث ملقياً الضوء على مخطوطة (لم تكن معروفة آنذاك) محفوظة في مكتبة برلين. المخطوطة كتبها حاج سوري يسمى مرتضى بن علوان؛ ومن ثمّ قام الباحث الألماني بإهداء نسخة من المخطوطة للدكتور (السعودي) عبدالله الصالح العثيمين؛ حيث أعدّ العثيمين دراسة بحثية حولها، ونشرها في مجلّة دراسات الخليج والجزيرة العربيّة. وفي عام 1990م أعاد الدكتور العثيمين في كتابه (بحوث وتعليقات في تاريخ المملكة العربيّة السعوديّة)، الكتابة عن المخطوطة معلقاً عليها بالقـول: «لدي صورة من مخطوطة الرحلة..».

في الحقيقة، أحدث الكتاب - وقتها - صدى واسعاً في أوساط الباحثين والمهتمين بالشأن الكويتي، لا سيما أنه عرض في حديثه لمخطوطة تتناول في طياتها أقدم ذكر للكويت عربياً، فضلاً عن أن المخطوطة كانت تتصادم بشكل موسع مع تصورات كثير من الباحثين والمؤرخين، الذين استندوا إلى التاريخ الرسمي الذي وضعه أحمد مصطفى أبو حاكمة (المؤرخ الرسمي المختار من لجنة كتابة تاريخ الكويت عام 1959م) لتاريخ قيام الكويت وتأسيسها، وهو أن هذا كان في عام 1752م. وهذا العام أصبح غير مقبول ويحتاج إلى إعادة نظر وتقييم؛ ذلك لأن المخطوطة كانت تشير بوضوح إلى أن الكويت - كمنطقة ومجتمع - كان لها حضور في عام 1709م، وأن هذا الحضور مثله مثل بقية المجتمعات والمناطق الأخرى، وهو يعني أنه كان مجتمعاً نشطاً تسير فيه الحياة بشكل منظم؛ فلديه تجارة وعمران وأبراج (والأبراج هي تلك المستخدمة في الحاميات العسكرية في ذلك الوقت). أما الأهمية الأكثر إثارة فهي أن هذا الوجود - بلا شك - بدأ ما قبل عام 1709م، وعليه؛ كان تعليق د. عبدالله العثيمين نفسه على ما ورد عن الكويت في المخطوطة «أول وصف من نوعه لعمرانها وتجارتها».

المخطوطة «زمن الرحلة والمسار»

قام مرتضى بن علوان برحلته في الربع الأول من القرن الثاني عشر الهجري/‏ الثامن عشر الميلادي؛ أي في سنتي 1120 ــ 1121هـ، وتحديداً 26 من شوال 1120هـ الموافق 8 من يناير 1709م. والرحلة انطلقت من دمـشق مروراً بالأردن والأحساء والحجـاز ونجـد والكويـت، وانتهاءً في بعقوبة بالعراق.

حرص ابن علوان أن يذكر الشهر الذي خرج فيه «كانون» - شهر سِرياني الأصل - الموافق «ديسمبر» من شهور السنة الميلادية. وصلت القافلة إلى مكة المكرمة بعد أن اجتازت عدداً من البلدان. وعقب أداء فريضة الحج توجهت القافلة إلى المدينة المنورة للمبيت فيها عدة أيام، ثمّ اتجهت نحو الإحساء مروراً بنجد؛ ومن ثمّ وصلت إلى الكويت التي استكملت منها طريقها إلى العراق ابتغاء زيارة بعض الأماكن المقدسة الموجودة هناك. وفي رجب من عام 1121هـ، الموافق سبتمبر من عام 1709م، عادت القافلة أدراجها إلى موطنها الشام، وبذلك تكون مدة الرحلة التي قضاها ابن علوان منذ خروجه من دمشق في القافلة حتى عودته إليها تسعة أشهر تقريباً.

وصف المخطوطة

تقع المخطوطة التي وضعها ابن علوان في نسختها الأصلية في (ثمان وعشرين صفحة تقريباً؛ بواقع ثلاثة وعشرين سطراً في الصفحة الواحدة، وفي كل سطر اثنتا عشرة كلمة تقريباً ما عدا الصفحتين الأولى والأخيرة؛ إذ كان فيهما اختلاف طفيف من حيث عدد الأسطر).

مخطوطة ابن علوان (هناك بلد يقال لها الكويت):

قبل الولوج إلى الجزء المتعلق بالكويت في المخطوطة، من المناسب الإشارة إلى أننا سنقتصر في حديثنا على تلك الأسطر القليلة التي لم تتعد الصفحة الواحدة والتي ذكرت فيها الكويت، وكان ذلك ضمن عدة مناطق وبلدان زارها ابن علوان في رحلته، لكن - في المجمل - يمكن القول: إن ابن علوان كان حريصاً على جعل ما يقوم بكتابته موثقاً بالتدوين الدقيق، ونلمس ذلك من خلال التغلغل إلى ثنايا الأوصاف والمشاهد، وسوقها والكتابة عنها بشكل دقيق، كذلك معرفة المعالم العمرانية للأماكن وتقصي طبيعة الأوضاع المعيشية والأنشطة المجتمعية والتجارية وغيرها.

بشكل عام حملت المخطوطة في طياتها - برأيي - أربعة مؤشرات مهمة، وزعت على امتداد صفحاتها الثماني والعشرين، أول هذه المؤشرات محاولة ابن علوان التركيز على وصف طبيعة الحالة المناخية والجوية، وحرصه على أن يقدم لها وصفاً غاية في الدقة والوضوح، وشمل ذلك كثيراً من المناطق ومواقع البلدان التي كانت تنزلها القافلة.

ثاني تلك المؤشرات قدرة ابن علوان على الوصف المقبول - في تلك الفترة - لطبوغرافية الأماكن وحركات السكان وعمليات الاستقرار والترحال التي كانت تجري هناك، إضافة إلى ذكر كثير من أنواع المزروعات وأشكال اللهجات والألفاظ المستخدمة من قبل السكان وبعض القبائل والتجمعات البشرية. علاوةً على الحديث - باستحياء - عن الانتماءات الدينية والمذهبية وغيرها، إلى جانب نسب بعض الشخصيات والأسر وعدد الأولاد وبعض الأوصاف مما حملته المخطوطة وشحنت به.

يأتي المؤشران الثالث والرابع متعلقين بصفة أساسية بهذا الوصف للحالتين الاجتماعية والاقتصادية لتلك الأماكن والبلدان، وهو وصف منقول - في مرات عديدة - من أفواه أهالي المنطقة نفسها؛ الأمر الذي كان يوفر إطاراً مفيداً بالنسبة للدلالات والمؤشرات التي كان يوردها ابن علوان.

الكويت في النص الأصلي للمخطوطة

نقل لنا صاحب المخطوطة، في نحو صفحة تقريباً، ما يمكننا أن نطلق عليه وصفاً مصغراً نابضاً عن «بعض» مشاهد الحياة في الكويت ومناحيها، كـ«البيوت/‏ العمران/‏ الطرق/‏ أنواع الفاكهة والحبوب/‏ الميناء/‏ طبيعة أرضها /‏ نشاطها الاقتصادي المتعلّق بالبحر». ولا شك أن هذه المشاهد ليست هي الأوسع للحياة عموماً في الكويت في تلك الفترة، إلا أن المراجع (عربياً وغربياً) مُجمِعَة على اعتبارها أهم ملامح المشهد (الأقدم) المتاح والمرصود والمدون تاريخياً عن الكويت. عموماً ننطلق هنا لنرصد هذه الإشارات، وذلك من خلال النص الأصلي المكتوب عن الكويت في المخطوطة والذي جاء فيه:

«دخلنا بلداً يقال له الكويت بالتصغير، وهو بلد لا بأس به يشابه الأحساء إلا أنه دونها ولكن بعمارته وأبراجه يشابهها، وكان معنا حج من أهل البصرة فرق عنا من هناك على درب يقال له الجهراء، ومن الكويت إلى البصرة أربعة أيام، وفي المركب يوماً واحداً، لأن مينت (ميناء) البحر على كتف الكويت. وأما الفاكهة والبطيخ وغير ذلك من اللوازم، فتأتي من البصرة في كل يوم في المركب؛ لأنها إسكلة البحر أقمنا بها يوماً وليلتين وتوجهنا على بركة الله تجاه النجف الأشرف نهار الأحد عشري الشهر المذكور، وهذه الكويت المذكورة اسمها القرين، ومشينا قبل وصولنا إليها على كنار البحر ثلاثة أيام والمركب على مسايرتنا والمينة على حدود البلدة من غير فاصلة، وهذه البلدة يأتيها ساير الحبوب من البحر؛ حنطة وغيرها، لأن أرضها لا تقبل الزراعة حتى ما فيها شيء من النخيل ولا غير شجر أصلاً، وأسعارها أرخص من الحسا لكثرة الدفع من البصرة وغيرها».

«هناك بلد يقال له الكويت»

الكويت في مخطوطة مرتضى بن علوان هذه الأسطر (القليلة) التي ذكرتها مخطوطة ابن علوان هي كامل النص التاريخي المتعلّق بالكويت ومجتمعها في الفترة التي زارها ونزل بها عام 1709م، ومع هذا الحضور المكثف لاحقاً في الإشارات التي حملتها بحوث ودراسات متعددة استعانت بالمخطوطة، فإن هذا الاستحضار للنص المدون والمرصود في المخطوطة يجري التعاطي معه في أغلبيته - بحسب رأيي - من زاوية ضيقة، وهي معالجة مجموعة الأطر الموضوعة مسبقاً (سواء الحديث عن الأوضاع الاجتماعية، والأوضاع الاقتصادية، والحالة المناخية، والطبوغرافيا، ووصف الأماكن، وحركات السكان، والاستقرار، والترحال، وغيرها)؛ الأمر الذي كان يَحُدُّ - برأيي أيضاً - من الدلالة التاريخية وجعل هذا الحضور حضوراً باهتاً لا يتعدى تلك المضامين البيانية أو الإحصائية التي تحملها. لذا، نحاول في الأسطر القليلة القادمة التركيز على الدلالات التاريخية، وتحديد أهم ما حملته المخطوطة من إشارات تعلّقت بالكويت ومجتمعها.

الكويت بعيون مرتضى بن علوان

ربما يفاجأ القارئ حين نشير - هنا - بالقول إلى أننا وإن كنا غير معنيين إلا بما ورد في المخطوطة عن الكويت، فإننا سنقتصر في الحديث كذلك - لأسباب مبررة - على ما يتعلق بزاوية «التاريخي»؛ ونعني هذا الجانب الذي يمثل المدخل لبوابة إعادة قراءة بعض أحداث التاريخ الكويتي وتحديداً «تأسيس الكويت/‏ مسمى الكويت».

يقول ابن علوان «دخلنا بلداً يقال لها الكويت بالتصغير». لا شك أن كلمة «يقال»، التي قدم لها ابن علوان كبداية للتعريف بالكويت، «توحي»، بما لا يدع مكاناً للشك، بأن ابن علوان لم يكن يعرفها أو أنها كانت بلداً غير معروف (بالنسبة له)، على الأقل، وعلى الرغم من أنه لم يذكر الاسم (المصغر منه) حيث يقول: «يقال لها الكويت بالتصغير» فإنه - كما يفهم من اللفظ نفسه - يقصد به «الكوت».

والحقيقة أن هناك شبه إجماع بين المؤرخين والباحثين على أن كلمة «كويت» تصغير لكلمة «كوت»، والكلمة كما هو شائع ومتعارف عليه تعني القلعة أو الحصن، وجمع الكوت «أكوات»؛ وقد أطلق مؤرخو الجزيرة العربية هذه التسمية على الحصون المتعددة ذات القلاع والأسوار. وعليه؛ يكون الوصف «الكوت» متوافقاً مع ما قاله ابن علوان. ولمزيد من الدلالة نذكر هنا أن أهم النصوص التي وردت في مسمى الكويت ما كتبه أنستاس الكرملي في عام 1904م، في مقال له عن الكويت؛ حيث أشار إلى أن الكلمة مشتقة من «الكوت»، وهو البيت الذي يُبنى على شكل قلعة، وذلك لكي يَسْهُل الدفاع عنه، فيما يضيف عبدالعزيز الرشيد أن «الكوت» هو المكان القريب من الماء، سواء كان بحراً أو نهراً أو بحيرة. أما الشملان فيقول: «ابن عريعر وهبهم الكوت»، (ويقصد العتوب)، في حين يخالف أبو حاكمة هذه الاتجاهات حين يورد القول: «الاسم القديم للكويت.. هو القرين».

علينا أن نتذكر أنه حتى هذا المستوى من النقاش والجدل التاريخي حول مسمى الكويت يمكن الاطمئنان إلى القول: إن مخطوطة مرتضى بن علوان 1709م تكون قد أعطت الأسبقية التاريخية بالنسبة إلى مسمى الكويت على المسمى الغربي الأكثر تداولاً (القرين)، وهذا سيأتي تفصيله هو الآخر لاحقاً.

مدينة عامرة

تؤكد المخطوطة في الوقت نفسه أن الكويت مدينة قائمة وعامرة، فيها مبان وطرق وأبراج واقتصاد، وأنه لما وصل لها كانت البضائع من حبوب ومواد غذائية متوافرة بل أرخص من مثيلاتها في الأحساء؛ بسبب كثرة الواردات التي تصل إليها، كما ذكر ابن علوان أن للكويت علاقات تجارية مع البصرة مستمرة ونشطة (بصفة يومية كما يصفها). وعليه؛ يكون نظام الحكم أو السلطة التي كانت تحكم في هذا الوقت كانت تدير الشؤون بفاعلية وربما كان لها حامية ومسورة بالأبراج، كما يؤكد مرتضى بن علوان سهولة التنقل في أرجاء البلدة، وعملية تبادل المنافع والسلع تجرى بها بشكل آمن وسهل، بالإضافة إلى بلوغ الكويت مستوى معيشياً مرتفعاً، جعلها تشبه الأحساء، الحاضرة التجارية المهمة - آنذاك - بشرق الجزيرة العربية، وتأتي لها الفاكهة (وهي من الكماليات) ما يعكس مستوى مادياً مقبولاً لسكانها.

وجود حضري واستقرار

نعـود إلى المخطوطة وهذا النص الذي يقول فيه ابن علوان: «وهذه الكويت المذكورة اسمها القرين».

يتزامن التأكيد عند ابن علوان على الوجود الحضري والاستقرار الموسع والحياة الاجتماعية التي كانت تعيشها الكويت وأهلها قبل عام 1709م مع التأكيد كذلك أن الكويت لها مسمى آخر عرفت به وهو «القرين» - كما أشرنا سابقاً - وأن اسم الكويت (على غير المتوقع) كان هو الأسبق على مسمى القرين، وإلا لو كانت «القرين» الأشهر والأقدم لكان ذكرها أول ما دخل البلدة وليس بعد أن زار ميناءها ومكث فيها. أؤكد قوله إن الناظر لتاريخ الكتابة عن مسمى الكويت في المصادر الغربية يجد أنه في الغالب من وضع الرحالة والزائرين الأجانب الذين كانوا يأتون الكويت «بحراً» في السفن والأساطيل ويتعاملون مع الموانئ والفرض البحرية.

وعليه؛ كان مسمى القرين هذا أو (شيخ القرين) - كما في بعض المراسلات والمكاتبات - منجذباً لدلالة الارتباط (بالبحر)، وهذا المشهد الموسع الذي تدار منه عمليات التجارة والاقتصاد، لكننا إذا تجاوزنا طبيعة هذا المشهد التاريخي ومن هذه الزاوية، فإنه يمكننا القول إن مسمى القرين الوارد في بعض المؤلفات والمراسلات الغربية لا يمكن أن يكون حجة على أن الاسم الأقدم هو القرين؛ وهو يدفعنا إلى البحث - كما الكوت سابقاً - عن أصل المسمى.

... وسيظل التساؤل قائماً

في تقديري، فالمخطوطة أوجدت تصوراً عاماً نحو ضرورة تحول موسع في عمق المناهج التاريخية المستندة إلى الوثائق والمخطوطات في تاريخ الكويت؛ إذ إن تغييب مثل تلك الوثائق والشواهد التاريخية لم يكن إلا تهميشاً لحقائق مغيبة أو غائبة؛ حيث تمتاز مثل تلك المخطوطات والوثائق الأصلية بميزة فائقة الأهمية، وهي أنها تتحلل من تبعات وأثقال الصراعات والمشاهد المتشابكة والمعقدة بين ثنايا النصوص والروايات التي تميل - في الغالب - لهوى المؤرخ ونزعته، وهذا ما ستدركه أجيالنا القادمة، التي ستدعو لاحقاً إلى الاهتمام بمثل تلك الأسانيد لسد هذه الثغرة في الدراسات التاريخية الكويتية الحالية. فبهذا الإسهام الذي كان حافزاً مهماً إلى إعادة البعد التاريخي لمسار الأحداث المتعلقة بتاريخ نشأة الكويت وتأسيسها ومسماها، يكون ما أتاحته المخطوطة هو حلقة وصل جديدة بين أجزاء التاريخ الكويتي المتشعب في بطون الكتب والمؤلفات والوثائق والمكاتبات الغربية والعربية وبين هذا التاريخ الشفوي.

وسيظل التساؤل قائماً، وهو:«ما قيمة تلك المخطوطات كظاهرة علمية/ ومعرفية/ بما تحمله من دلائل وإشارات تاريخية إن لم يستطع مؤرخونا اليوم أن يشكلوا من خلالها الحقائق الموثقة التي تمتلك الجرأة على مراجعة كثير مما علق بتاريخ الكويت وركام الافتراض والتخلص من أخطاء البعض وهوى البعض الآخر؟».

د. فيصل أبو صليب: «وثائق تاريخية» محاولة للاستفادة من الأرشيف

د. فيصل أبو صليب

تأتي فكرة إصدار دورية «وثائق تاريخية» محاولة للاستفادة من الأرشيف التاريخي الثري الذي يحتوي عليه مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية بجامعة الكويت، وإخراجه إلى النور من خلال عرضه بصورة بحثية لكي يستفيد منه الباحثون والمهتمون بتاريخ الكويت والمنطقة.

ويضم العدد الأول من باكورة إصدار دورية «وثائق تاريخية» وثائق مهمة؛ حيث يقدم لنا الأستاذ الدكتور عبدالله الهاجري، أستاذ التاريخ في جامعة الكويت، عرضاً وتحليلاً علمياً لوثيقة مهمة حول نشأة الكويت، وهي مخطوطة مرتضى بن علوان في عام 1709م، ويتناول الباحث في عرضه الدلالات التاريخية لهذه المخطوطة، وأهم ما تضمنته من إشارات تعلقت بالكويت ومجتمعها. كما يقدم الدكتور علي الكندري، أستاذ التاريخ المشارك في جامعة الكويت، قراءة علمية لوثيقة أخرى مهمة تتعلق بحقبة تاريخية تُعدّ من أبرز المراحل التي مرّ بها تاريخ الكويت وهي فترة حكم الشيخ مبارك الصباح، وما صاحبها من ظهور تنافس بين القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، وبوادر نشوء العلاقات بين الكويت وروسيا القيصرية، وذلك من خلال عرضه لوثيقة زيارة القنصل الروسي في بوشهر إلى الكويت عام 1901م ولقائه الشيخ مبارك الصباح، في حين يعلّق الأستاذ باسم اللوغاني، الباحث في التاريخ والتراث الكويتي، على بعض الوثائق المتعلقة بأملاك الكويتيين قديماً في مناطق البصرة والفاو في العراق.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking