آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

125337

إصابة مؤكدة

773

وفيات

116202

شفاء تام

«ناورو» دولة دمرتها مناجم الفوسفات

«ناورو» دولة دمرتها مناجم الفوسفات

سليمة لبال -

كانت «ناورو» واحدة من أغنى دول العالم بفضل مداخيل الفوسفات، لكن احتياطيات هذه الجزيرة التي وصفها تقرير لصحيفة «لوباريزيان» الفرنسية بـ«كويت المحيط الهادئ» نفدت، وتغرق حالياً في ركود اقتصادي عميق، بسبب النضوب التدريجي لمادة الفوسفات، مصدر دخلها الوحيد، وبعد أن تبين لها أن استثماراتها في الخارج والمباني التي استحوذت عليها لم تكن مجدية تماماً بعد أن فقدت قيمتها في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي سببها وباء كورونا.

من العظمة إلى الانحطاط، هكذا يمكن أن نختصر قصة جزيرة ناورو. فقبل أربعين عاماً، كانت هذه الجزيرة الصغيرة التي تقع جنوبي المحيط الهادئ تطفو فوق الذهب، لدرجة أن سكانها لم يكونوا في حاجة إلى العمل. وأما الماء والكهرباء والخدمات الصحية، فكان السكان يستفيدون منها مجاناً.

كان سكان ناورو يستهلكون وينفقون ببذخ، لدرجة أن الواحد منهم كان يتخلّى عن سيارته على قارعة الطريق بمجرد أن ينفشّ أول إطار فيها من دون محاولة إصلاحه، ليطلب موديلاً جديداً من آخر صيحة، كما كانوا ينظمون الحفلات ويلعبون الغولف ويقضون أيامهم في استرخاء تام.

ولكن الحلم استحال كابوساً؛ فاليوم تعيش الدولة على وقع أزمة اقتصادية خانقة، فيما يعاني 95 في المئة من السكان من الوزن الزائد، و45 في المئة مصابون بالسكري، والمشكلة الأكبر هي أن الجزيرة تحولت الى مكبّ نفايات مفتوح، حيث تكدست السيارات التالفة ومكيفات الهواء والصفائح المعدنية الصدئة، وأينما تولِ وجهك تجد جبالاً من النفايات مبعثرة في جميع أنحاء الدولة.

والجزيرة الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها على 12 ألف نسمة، لا تتنفس اليوم، وهي ضحية التطور المفرط الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة.

تتربع ناورو على مساحة 21 كلم مربع، وتقع شمال شرق أستراليا، وكانت جنة في القرن التاسع عشر حين كانت مستعمرة ألمانية بفضل شواطئها الرملية وغطائها النباتي الممتد في كل نواحيها، وقد اكتشفها الإنكليز في عام 1798 بينما كان يعيش عليها مجموعة من الصيادين، لكن اكتشاف الفوسفات الذي يستخدم في صناعة الأسمدة على أراضيها قلب كل شيء.

بدأ استغلال الفوسفات من قبل المستعمرين الألمان في عام 1906 قبل أن تنتقل الجزيرة إلى السيادة البريطانية ثم الأسترالية، وخلال سنوات طويلة كان السكان يشاهدون الشركات الأجنبية وهي تنهب أراضيهم، مما دفعهم إلى افتكاك الاستقلال في 31 يناير 1968 وتأميم كل مناجم الفوسفات.

وبينما كانت كل الدراسات تؤكد النضوب التدريجي للفوسفات، كان سكان الجزيرة يتجاهلون هذه الحقيقة.

حياة جديدة

توقف سكان الجزيرة عن العمل بعد أن أصبحوا ملاكاً للأراضي ويتلقون الإتاوات، فيما كان يبدو وكأن الدولارات الأسترالية تسقط عليهم من السماء، كما سمحت الحكومة للعائلات بتوظيف عاملات منزليات ليتحول المجتمع إلى مجتمع استهلاكي لا يعرف سوى الراحة والكسل.

ويتذكر الطبيب كيرين كيكي، الذي كان وزيراً للصحة في عام 2004، عيد ميلاد عمته الخمسين وما حمله الضيوف معهم من هدايا. ويضيف خلال تصريح خص به في 2006 قناة Arte «كانت هناك أسرة وفساتين وبدلات فيما أحضرت مجموعة 50 مخدة، وأما مجموعة أخرى فأحضرت شجرة مكسوة بالأوراق النقدية.. هل تتصورون شجرة وقد علقت على جميع أغصانها أوراق نقدية من فئة 50 دولاراً؟!».

وهكذا حلّت المشروبات الغازية والمواد الغذائية المصنعة والمستوردة محل الأسماك التي كان السكان يتناولونها فور صيدها، فيما أصبح لكل بيت عدة سيارات وأجهزة تكييف وشاشات تلفزيونات لا تتوقف عن التشغيل أبداً.

في عام 1971 حققت هذه الجمهورية، التي تعد الأصغر في العالم، أرباحا بقيمة 225 مليون يورو وهو رقم قياسي، وأما نصيب كل ساكن من الناتج المحلي الاجمالي فكان أكبر بثلاثة أضعاف عن نظيره في الولايات المتحدة، ما سمح للبلد باحتلال المرتبة الثانية عالمياً. بسرعة أصبحت «كويت المحيط الهادي» نموذجاً للنجاح في المنطقة كلها، لدرجة أن الملكة إليزابيث الثانية زارتها شخصياً في 1982 واطلعت على سير العمل في مناجم الفوسفات وأثنت على التطور الاقتصادي الكبير الذي حققه هذا البلد الصغير العضو في الكومنولث.

لكن هذه النقلة لم تستمر طويلاً، إذ استيقظت ناورو في نهاية تسعينيات القرن الماضي على وقع خبر نضوب مناجم الفوسفات، المصدر الوحيد للدخل في البلاد، فيما تحولت البلاد إلى ورشات مفتوحة شوهتها آليات ضخمة كانت منتشرة في كل مكان للبحث عن الفوسفات.

ويتألم سكان الجزيرة اليوم على واقعهم ويتحسرون على ما مضى وعلى اعتمادهم على الفوسفات.

لا يتجاوز معدل عمر سكان ناورو 60 عاماً. وفي المستشفيات، التي تفتقر إلى الأدوية، تحمل أجسادهم ندوب هذه الحياة البذخة، فعلاوة على معاناة الكثير من قصور القلب الناجم عن التلوث الصناعي، يعاني كثر أيضاً من السمنة، فحتى التونة التي كان يتم صيدها في كل وقت، عُوّضت بالتونة المصبرة. لقد أفلست الدولة وأثبتت الاستثمارات الحكومية في الخارج أنها من دون جدوى وغير حكيمة بعد أن كان من المفترض أن تؤمن للسكان حياتهم بعد نضوب الفوسفات. لقد اشترت مباني في ملبورن وسيدني وفنادق وأراضي في الجزر المجاورة ولكن لا شيء يبدو بأنه قد حافظ على قيمته، ولأنها غير قادرة على سداد ديونها، شرعت ناورو في بيع ممتلكاتها حتى طائرتها مصدر فخرها منذ سنوات.

وتأسست شركة الطيران الحكومية في عام 1970، إذ كان السكان يستقلون طائراتها السبع مثلما يستقل الغربيون السيارة أو المترو من أجل مشاهدة مباراة كرة قدم في أستراليا أو فيلم في قاعة سينما في جزر كيريباتي. وغالبا ما كانت طائراتها فارغة وبعد سنوات من الاستخدام المكلف، الشركة اليوم على وشك الافلاس أيضاً، وتحاول الصمود اليوم بفضل الموظفين الأستراليين الذين يتنقلون اليوم للعمل في مركز احتجاز اللاجئين، هذه المباني الجاهزة المخبأة في الطبيعة تمثل الوجه المظلم لناورو أيضا.

وبحثاً عن مداخيل أخرى، انخرطت البلاد منذ بداية عام 2000 في التجارة غير الشرعية مثل بيع جوازات السفر وتبييض الأموال، وقد دفع الفقر السكان إلى هذا المسلك، إلى أن جاء الحل من الجارة الكبرى أستراليا، التي اقترحت على ناورو استقبال اللاجئين الذين ترفض دخولهم إلى أراضيها مقابل المال.

2021 نقطة تحول!

على طول الطريق المعبد الوحيد في الجزيرة، ترتفع عمارات باهتة الألوان، بينما تمنح أشجار جوز الهند بعض الظل للمشاة والدجاج والكلاب الضالة والخنازير. ويقول أحد السكان «نحن نكافح، لقد عدنا إلى الشعاب المرجانبة لنجد شيئا نأكله، وأصبحنا نتسلق الأشجار لصيد الطيور، لم نغضب أبدا لأن هذه أرضنا». عاد سكان الجزيرة إلى حياتهم السابقة من دون أن ينسوا هذه المرحلة الذهبية من تاريخهم، وفي خضم حالة الفوضى هذه، تبحث ناورو عن مستقبل وهي تعاني أزمة اقتصادية وأخرى بيئية، بسبب ارتفاع منسوب المياه في الجزيرة التي لا ترتفع سوى 70 مترا عن سطر البحر، وبفضل المساعدات الدولية ترتسم ملامح مرحلة جديدة من تاريخ البلاد، يميزها الميناء الجديد الذي ينتظر أن يفتتح في 2021 والألواح الشمسية، وأيضا مخطط إعادة تهيئة الهضبة الرئيسية المدمرة. وثروات الجزيرة لم تجف تماما إذ إن التقنيات الحديثة ستسمح للسلطات بالحفر لطول أعمق بحثا عن الفوسفات، لكن ذلك لن يستمر أكثر من ثلاثة عقود وفق الدراسات.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking