مهاتير محمد لـ«القبس»: علِّموا أطفالكم أن الفساد كالقتل


أجرى الحوار: عبدالله غازي المضف - 

لا يمكن النظر إلى تجربة مهاتير محمد في ماليزيا من باب استمراره أطول فترة حكم لرئيس وزراء في وطنه، والقارة الصفراء بأكملها، بل بارتباط اسمه بصورة المخلِّص الذي استطاع انتشال بلاده وتحويلها من دولة هامشية إلى دولة حديثة ذات اقتصاد صناعي متنوع.

لكن النجاحات التي حققها مهاتير في المجال الاقتصادي لم تنعكس على بيئة النظام السياسي، الذي ظل قاصراً يعاني من اللااستقرار، الأمر الذي تسبب في تفشي ظاهرة الفساد وبلوغها مستوى الفضيحة مع اتهام رئيس الوزراء الأسبق نجيب عبدالرزاق بالفساد، ومحاكمته بعد أن عاد مهاتير عن تقاعده وقاد حملة إسقاطه عام 2018، وانتخب مجدداً رئيساً للوزراء حتى فبراير الماضي.

اليوم شكَّل مهاتير حزباً جديداً، ويأمل أن يكون في الانتخابات المقبلة على رأس كتلة برلمانية تسمح له بلعب دور أساسي. لكن في كل الأحوال تبقى مسائل محاربة الفساد والإصلاح السياسي، من أهم التحديات التي تواجهها ماليزيا، وذلك باعتراف مهاتير نفسه، الذي أكد في مقابلة خاصة مع القبس أنه «حتى في عهده كان هناك فساد، لكن هذه الآفة يمكن القضاء عليها إذا آمن الناس أن الفساد شيء سيئ، وأنه جريمة»، مشيراً إلى أنه وبعد تنحيه عن الحكم «تبيّن لنا أن الفساد عاد بقوة، لدرجة أن أعضاء في البرلمان جرى شراؤهم، وحين يحدث ذلك، فإن الحكومة بأكملها يمكن شراؤها».

يدعو مهاتير محمد إلى تنشئة الأطفال وتعليمهم منذ الصغر بأن سرقة المال أمر خاطئ كالقتل، مشدداً على أن «القادة يجب ألا يسعوا إلى الإثراء؛ لأنهم النموذج والقدوة للناس».

يؤكد رئيس الوزراء الماليزي السابق أنه «لا مشكلة مع الكويت في ما يتعلق بالصندوق الماليزي أو مدى تعاونها مع بلاده لتعقُّب الأموال المهرَّبة»، موضحاً أن «الأموال التي انتقلت من ماليزيا إلى الكويت ليست كبيرة»، وأنه «في حال اكتشاف بلاده أنه لم تُستثمَر تلك الأموال على نحو ملائم فستخاطب الكويت لاستعادتها».

وأوضح أن «الصندوق الماليزي لم يكن خاضعاً للشروط الحكومية، لذلك اقترض أموالاً اختفت لاحقاً، وجرت استعادة جزء منها في الولايات المتحدة»، لافتاً إلى أن «هناك دولاً لم تتعاون مع ماليزيا بحجّة السرّية المصرفية».

ورداً على سؤال من القبس حول اعتماد الكويت ودول الخليج بشكل كبير على النفط مصدراً وحيداً للدخل، وجه مهاتير محمد عبر القبس تحذيراً إلى الكويت بأن عليها «تنويع مصادر الدخل، لأن الاعتماد على مصدر واحد للثروة كالنفط أمر خطير»، داعياً إياها إلى «تفعيل صناديق استثماراتها في الدول الأخرى، لتخفيف آثار انخفاض أسعار النفط وتداعيات جائحة كورونا».


فيما يلي التفاصيل الكاملة

مهاتير محمد، وهو اليوم في الخامسة والتسعين، لا يزال منذ أكثر من نصف قرن، مهيمناً - بلا منازع - على الفضاء السياسي الماليزي. فالرجل طوال فترة رئاسته للوزراء، الممتدة منذ 1981 وحتى 2003، نجح في رسم صورة المخلص، الذي استطاع تحويل ماليزيا من دولة هامشية إلى دولة حديثة بكل ما تعنيه الكلمة.

لا يمكن النظر إلى تجربة مهاتير محمد من باب استمراره لأطول فترة حكم لرئيس وزراء في وطنه، والقارة الصفراء بأكملها، بل بارتباط اسمه بالتحول الهائل الذي عرفته بلاده، ليصبح رائد النهضة وعرّاب عملية تحديث ماليزيا وتحوّلها المذهل من بلد زراعي فقير متدني الدخل، إلى بلد ذي اقتصاد صناعي متنوع، يقوم بجزء أساسي منه على تصدير المنتجات الصناعية العالية التقنية، كالمنتجات الإلكترونية، ويُصنَّف بين البلدان العشرين الأكثر تصديراً في العالم، ويقترب مستوى الدخل فيه من البلدان المرتفعة الدخل.

النجاحات التي حققها مهاتير في مجالات التحديث والتحول الاقتصادي لم تنعكس على بيئة النظام السياسي، الذي لا يزال يعاني من عدم الاستقرار، الأمر الذي أنتج التفشي الهائل للفساد، الذي بلغ ذروته مع اتهام رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق بالفساد، ومحاكمته.

هذه الفضيحة بالتحديد دفعت مهاتير ليعود من تقاعده، ويقود حملة إسقاط رئيس الوزراء في 2018. وفي هذا الإطار، تقول بريدجيت ويلش، الباحثة في معهد آسيا للبحوث، التابع لجامعة نوتنغهام ماليزيا: «مهاتير كسياسي لم يترك السياسة قط، حتى عندما تقاعد».

انتُخب مهاتير مجدداً رئيساً للوزراء في 2018، فشغل المنصب حتى فبراير الماضي، عندما تفككت كتلة الأكثرية التي تزعّمها، ما أجبره على الاستقالة.

اليوم شكّل مهاتير حزباً جديداً، يأمل في أن يكون في الانتخابات المقبلة على رأس كتلة برلمانية تسمح له بلعب دور أساسي، إلى جانب الكتلتين الكبيرتين اللتين يقودهما محيي الدين ياسين (رئيس الوزراء حالياً) وأنور إبراهيم (المعارضة). ولكن في كل الأحوال تبقى مسائل محاربة الفساد والشفافية والمساءلة، وكذلك الإصلاح السياسي، من أهم التحديات التي تواجهها ماليزيا اليوم، وذلك باعتراف مهاتير نفسه، الذي أكد لـ القبس أنه «حتى في عهده كان هناك فساد، لكن هذه الآفة يمكن القضاء عليها إذا آمن الناس أن الفساد شيء سيئ، وأنه جريمة. إنها مسألة ثقافة، فإذا كانت الثقافة تسمح بموقف ليِّن تجاه الفساد، فسينتشر بالطبع. ولكن إذا رفض قادة البلاد أن يكونوا فاسدين، واتخذوا إجراءات قوية ضد الفساد، فسيتم تقليله إلى أدنى مستوى». داعياً إلى تنشئة الاطفال وتعليمهم منذ الصغر بأن سرقة المال أمر خاطئ كالقتل.

ويشدد مهاتير على أن «القادة يجب ألا يسعوا إلى الإثراء؛ لأنهم النموذج والقدوة للناس. إذا كان القادة نظيفين فسيصبح من الأسهل كثيراً التخلّص من الفساد».

رئيس الوزراء الماليزي السابق أكد أنه «لا مشكلة مع الكويت في ما يتعلق بالصندوق الماليزي أو مدى تعاونها مع بلاده لتعقّب الأموال المهرَّبة»، موضحاً أن «الأموال التي انتقلت من ماليزيا إلى الكويت ليست كبيرة»، وأنه «في حال اكتشاف بلاده أنه لم يتم استثمار تلك الأموال على نحو ملائم فستخاطب الكويت لاستعادتها».

يشدد مهاتير محمد على أن بلاده «تتعقّب الوثائق التي استُخدمت لنقل الأموال من خلال المصارف في ماليزيا». وأوضح أن «الصندوق الماليزي لم يكن خاضعاً للشروط الحكومية، لذلك اقترض أموالاً اختفت لاحقاً، وتمت استعادة جزء منها في الولايات المتحدة»، لافتاً إلى أن «هناك دولاً لم تتعاون مع ماليزيا بحجّة السرّية المصرفية، ورفضت الإفصاح عن البنوك التي أُودعت بها الأموال».

ورداً على سؤال من القبس حول اعتماد الكويت ودول الخليج بشكل كبير على النفط كمصدر وحيد للدخل، علّق مهاتير محمد أن على الكويت «تنويع مصادر الدخل، لأن الاعتماد على مصدر واحد للثروة كالنفط أمر خطير»، داعياً إياها إلى «تفعيل صناديق استثماراتها في الدول الأخرى، لتخفيف آثار انخفاض أسعار النفط وتداعيات جائحة كورونا».

الزملاء: عبدالله غازي المضف ودانه العويصي وهادي درويش وأحمد الحافظ

وفي ما يلي تفاصيل اللقاء كاملاً:

● ما رؤيتكم لدول الخليج، بما في ذلك الكويت، التي تعتمد على النفط فقط كمصدر رئيس للدخل؟

- حسناً، إنه لأمر خطير أن يتم الاعتماد على مصدر واحد للثروة أو الدخل، عليكم تنويع مصادر الدخل، عليكم البحث عن طرق بديلة للإيرادات، لكني أعتقد أن لديكم صناديق تستثمرونها في دول كثيرة، والدخل المجني من هذه الاستثمارات من شأنه تخفيف أو تقليل أثر أي انخفاض في أسعار النفط.

● د. مهاتير، نحن نواجه عجزاً في ميزانية البلاد 2021-2020 بقيمة 45 مليار دولار.. من وجهة نظركم كيف يمكن للكويت معالجة هذا العجز والخلل في الاقتصاد؟

- من الطبيعي أن تكونوا قادرين على الاعتماد على استثماراتكم الأخرى، صناديق الكويت تستثمر في دول أخرى، ولسوء الحظ أن مرض «كوفيد - 19» أثرّ على كل الدول، وبالتالي تراجعت اقتصاداتها، وبالتالي استثماراتكم في الدول الأخرى لا يمكنها المساعدة بالكامل. ومع ذلك، أعتقد أن بوسعكم الاعتماد على بعض استثماراتكم الأخرى لتقليل آثار انخفاض أسعار النفط.

● دعنا نتحدث حول موضوع الفساد الذي أصبح الأول في الكويت أخيراً. تحت قيادتكم، تحولت ماليزيا إلى دولة حديثة وقوة اقتصادية، ولكن خلال سنوات عدة تراجعت الدولة في ظل حكم خليفتك، هل خَفَت بريق ماليزيا كنموذج نجاح تقتدي به الدول في منطقتنا؟

- حسناً، خلال فترة حكمي كان الاقتصاد جيداً جداً، لكن بعد أن تنحّيت، قرر رئيس الوزراء، الذي جاء بعدي، تغيير المسار. لقد قرر التخلي عن النظام الذي تم تطويره في عهدي. وفي الوقت ذاته، كان هناك بالطبع الكثير من الفساد. هناك فساد في كل مكان، حتى في عهدي كان هناك فساد، لكن الفساد وصل إلى مرحلة أصبحت فيها الحكومة كلها فاسدة.

● كيف نجحتم في تحويل ماليزيا من اقتصاد زراعي إلى «صناعي» ناجح؟ هل يمكن للكويت أن تعتمد على هذا النموذج لتنويع مصادر الدخل؟

- حسناً، أعتقد أن معظم الدول لديها موجودات، والأمر يتعلق بكيفية استخدام هذه الموجودات لكي تعطيك العائد. فعلى سبيل المثال، إذا كنت تكتفي بإنتاج وبيع النفط كمادة خام، فأنت تخسر الكثير من العوائد من عملية التكرير. لذلك، في حالة النفط، عليك أن تذهب بعيداً في صناعات النفط المختلفة (صناعة البتروكيماويات)، مثل تصنيع البلاستيك والمنتجات البترولية الأخرى. في حالة ماليزيا، أجرينا مسحاً لكل موجوداتنا، ووجدنا أن هناك الكثير من الموجودات التي لم تُطوّر بالكامل، وقررنا تطويرها، وهذا مكّننا من تجاوز الزراعة إلى الصناعة. فعلى سبيل المثال، وجدنا أن السياحة توفر لنا عائداً، لذلك طورناها على الرغم من أننا لسنا كمصر، التي لديها الكثير من الآثار. نحن دولة تتمتع بمناخ الغابات الماطرة. لكننا وجدنا أن كثيراً من الناس مهتمون بحقيقة أن ماليزيا فيها موسم واحد فقط. فالسنة كلها إما أن يكون الطقس ممطراً أو مُشمساً. لذلك كثير من الناس من كل الدول يأتون إلى ماليزيا بسبب درجات الحرارة. من موجوداتنا أن الطقس دافئ. لقد دربنا مواطنينا جيداً في الصناعة، وصممنا سياسة تجذب الاستثمارات إلى بلادنا. لم تكن لدينا معرفة بالصناعة، لكننا اجتذبنا الاستثمارات الأجنبية إلى ماليزيا، حيث وفرنا لهم العمالة الماهرة بأجور متدنية. وبهذا جاءت الكثير من الاستثمارات من الخارج، بعد أن دربنا الكوادر الوطنية على المهن واستثمرنا فيها. وبذلك، ظل قطاع الزراعة ساكناً، بينما نما القطاع الصناعي جيداً، لأنه لا يحتاج الكثير من الأرض كما هو الحال بالنسبة للقطاع الزراعي، الذي يحتاج مساحات هائلة. ففي القطاع الصناعي، يمكن لهكتار واحد من الأرض أن يوفر دخلاً لخمسمئة شخص. ولكن في القطاع الزراعي، الهكتار لا يكفي لتوفير الدخل إلا لشخص واحد.

● هل ما زلتم تعتقدون أن البنك وصندوق النقد الدوليين يجعلان الدول الفقيرة أكثر فقراً؟

- هذه تجربتنا، حين كانت لدينا أزمة مالية. وحين خفّض المتاجرون الوهميون بالعملات قيمة عملتنا أصبحنا في فقر شديد، واقترح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (آنذاك) حلاً. وكان التركيز الرئيس على إحياء اقتصادنا، لكي نتمكن من تسديد ديوننا، ولم يعيرا اهتماماً لتنمية بلادنا، لذلك قررنا ألا نسمح لهما بالسيطرة على اقتصادنا. نحن من ندير اقتصادنا بأنفسنا. ولذلك، كان علينا البحث عن سُبل لوقف المضاربين عن خفض قيمة عملتنا الوطنية. واكتشفنا أننا إذا ثبّتنا سعر صرف عملتنا، ولم نعترف بعمليات تخص عملتنا غير المسجلة في ماليزيا، فإن الناس الذين يحاولون بيع وشراء عملتنا في الخارج لا يمكن أن تُترجم عملياتهم إلى حقيقة في ماليزيا.

• من ناحية أخرى، ما معياركم للتقدم الاقتصادي في دولة ما؟

- نحن نحتفظ بعلاقات صداقة مع الجميع. ونعتبر كل الدول أسواقاً لمنتجاتنا، ولا يسعنا إلا أن نكون أصدقاء مع كل مجموعة. نريد للجميع أن يكونوا أصدقاء لنا، بحيث يمكن بيع منتجاتنا لهم. وفي الوقت نفسه بالطبع نسمح للدول الأجنبية بالاستثمار في بلادنا. ولكن ينبغي أن تكون تعاملات تجارية صافية، لا سياسة فيها. ولا يُسمح لأحد أن يأتي هنا لنشر إيديولوجيته أو غير ذلك. يمكنهم أن يأتوا إلى هنا ويستثمروا ويحققوا الربح، وبالطبع، يمكنهم أخذ أموالهم إلى الخارج بعد أن نأخذ منهم الضرائب. وبالتالي، فإنهم يساهمون في تنمية البلاد من دون أن تتأثر بايديولوجيات أجنبية أو مشاحنات أجنبية.

● كثير من قرائنا يرغبون في معرفة إجابتكم على السؤال التالي: كيف تمكّنتم من اجتثاث الفساد في بلادكم خلال أيام من عودتكم إلى السلطة؟

- ركّزنا على أن تكون لدينا المنظومة الصحيحة غير الفاسدة. في بعض الأحيان، تكون هيئات مكافحة الفساد نفسها فاسدة. ولكن الآن، بعد أن تنحّيت ثانية، ولم أعد رئيساً للوزراء، تبيّن لنا أن الفساد عاد بقوة، لدرجة أن أعضاء في البرلمان جرى شراؤهم، وحين يحدث ذلك، فإن الحكومة بأكملها يمكن شراؤها. لذلك، فإن ما حدث في ماليزيا هو أنه في انتخابات 2018 حققت المعارضة الفوز وكانت تريد مواصلة الإصلاح، ولكن - لسوء الحظ - جرى تحريض البعض على الانسحاب من الحكومة، وحين انسحبوا، انهارت الحكومة بعد أن فقدنا الأغلبية. وهكذا، من خلال عرض عدد من الأمور على الناس، وهي رشوة في الواقع، انسحبوا، فانهارت الحكومة المنتخبة من قبل الشعب. وهؤلاء الناس الذين دفعوا الأموال والعروض والرشوة، اشتروا فعلياً كل مؤيدي الحكومة، فأصبحت لديهم الأغلبية، وهم يشكلون الحكومة الآن. هذه عملية سرقة للحكومة في الواقع. ما حدث أن الفائزين في الانتخابات الذين شكلوا الحكومة أصبحوا خاسرين، وأن الخاسرين في الانتخابات عادوا إلى تشكيل الحكومة.

● بناء على معرفتكم، كيف يمكن للكويت الاستفادة من تجربة ماليزيا في التنمية الاقتصادية ومحاربة الفساد؟

- أولاً، أن تكون لديكم هيئة جيدة لمكافحة الفساد. وبالأساس، يمكن القضاء على الفساد إذا آمن الناس أن الفساد شيء سيئ، وأنه جريمة. إنها مسألة ثقافة، فإذا كانت الثقافة تسمح بموقف ليِّن تجاه الفساد، فسينتشر بالطبع. ولكن إذا رفض قادة البلاد أن يكونوا فاسدين، واتخذوا إجراءات قوية ضد الفساد، فسيتم تقليله إلى أدنى مستوى، ولن يتم اجتثاثه كلياً، لأن هناك أموراً تحدث من دون أن يعلم بها الناس. لكن الشيء الأساس هو أن القياديين يجب أن يكونوا نظيفين جداً، وأن تكون لديهم الإرادة لاتخاذ الإجراءات المناسبة ضد الفساد. ويجب ألا يسعى القياديون إلى الإثراء، لأنهم النموذج والقدوة للناس. إذا كان القياديون نظيفين يصبح من الأسهل كثيراً التخلص من الفساد. ومع ذلك، تظل هناك وسائل أخرى لاستخدام المال لشراء السلطة. ولسوء الحظ كانت هناك مرحلة، كان فيها قادة البلاد فاسدون جداً، وأصبحت آلية الحكومة كلها فاسدة. وهكذا، حين عدنا إلى الحكم عام 2018 كان علينا التخلّص من الموظفين الفاسدين واتخاذ إجراءات ضد السياسيين الفاسدين، وجرت إحالتهم إلى المحاكمة، وتبيّن لنا اليوم أن أحد كبار المسؤولين قد أُدين، ولكن في نظامنا، يمكن للمُدان الاستئناف في محكمة الاستئناف، وإذا فشل فيمكنه الاستئناف في المحكمة الفدرالية، إذن، لدينا ثلاث درجات من الاستئناف: المحكمة العليا، ومحكمة الاستئناف، والمحكمة الفدرالية. لديه فرصة للاستئناف، ولكن إذا أكدت المحكمة الفدرالية إدانته، فسيُسجَن.


● الحرب على الفساد طريق طويل محفوف بالمخاطر، ما الموارد والإمكانيات التي نحتاجها للانتصار في هذه الحرب؟

- إن نظرت حول العالم تجد دولاً فاسدة كلياً، وهناك دول لا يُعتبر فيها الفساد مشكلة رئيسة، وهذا في الأساس يعود إلى الثقافة، إذا كانت دولة تعتبر الفساد جريمة كبيرة، وتنظر إلى الفاسدين بازدراء، فسيكون هناك فساد أقل. نرى دولاً مثل اليابان، صحيح أن فيها فساداً، لكن ثقافة سكانها تقول إنك إذا فعلت شيئاً خاطئاً فعليك أن تدفع الثمن، حتى إن بعضهم يُقدم على الانتحار إذا قصّر في مسؤولياته. وإذا حدث شيء في نطاق وزارة أحدهم فإنه يستقيل، على الرغم من أنه ليس متورطاً بشكل مباشر، فهم يشعرون أنهم مسؤولون عن أي خطأ يقع في وزاراتهم، ولذلك، يجب أن نكون على استعداد لازدراء الفاسدين. وهذا يجب أن يكون في صميم ثقافتنا.

● كثير من القرّاء يتساءلون: ما الذي يدفع مسؤولاً بدرجة رئيس وزراء إلى الفساد؟

- شخصية ضعيفة جداً، شخصية رجل لا يفكّر إلا في نفسه وفي انتهاز الفرصة لكسب المال، حينما يمتلك السلطة. لدينا مثل هذه الشخصية التي يمكن أن تجدها عادة في الحكومة، ما يجعل الفساد على مستوى رفيع. يمكن أن نطلب من المسؤول حلف اليمين بأن لا يكون فاسداً، لكن بعضهم حتى بعد القسم يصبح فاسداً، ويعود ذلك في الأساس إلى طريقة تعاطي المجتمع مع الفاسدين، فإذا كان يُنظر إلى الفاسدين بازدراء، وإذا كانت لديك ديموقراطية، فإنك لا تنتخبهم، ولكنهم سيستخدمون المال من أجل أن يتم انتخابهم. لكن ينبغي على الناس رفض تلقّي الرشاوى من أجل انتخاب أناس لا يتمتعون بصفات جيدة ومن نوعية سيئة.

● كيف تمكّنت ماليزيا من استعادة الجزء الأكبر من الأموال المنهوبة من الصندوق الماليزي؟

- كان لدينا رئيس وزارء فاسد يؤمن أن «المال هو الملك»، وأنك إذا قدمت المال للناس فسيدعمونك، هذا هو اعتقاده، لكن كيف حصل هو على المال؟ لذا يأخذ المال من الحكومة، لكن الحكومة لم تكن تملك المال، فإذا أخذ المال منها فإن الجميع سيعرف. لذلك، قام بإنشاء الصندوق الماليزي، الذي اقترض 42 مليار رينغيت، علماً بأن الحكومة لديها سقف وحدّ أقصى للاقتراض لا يمكن تجاوزه. يمكن للحكومة أن تقترض مبلغاً محدداً من المال فقط، لكن الصندوق لم يكن خاضعاً للشروط الحكومية، لذلك اقترض الصندوق المملوك بنسبة %100 للحكومة 42 مليار رينغيت، اختفت لاحقاً.

حتى الآن لم نستطع استعادة الأموال، ولا يمكن حتى تعقّب معظمها ومعرفة مصيرها. تمكنّا من تعقّب جزء منها في الولايات المتحدة، واستعدناها، كما استعدنا سفنا جرى شراؤها بالأموال المنهوبة، لكن معظم الأموال المنهوبة لم يتم العثور عليها ومعرفة مصيرها، لأن رئيس الوزراء نهب أموال الصندوق، لكن لا نعرف حقيقةً ما فعل بتلك الأموال، ما نعرفه أنه استخدم تلك الأموال في رشوة الناس، لأنه يعتقد أن الناس سيدعمونه عندما يقدم لهم المال. قدم المال لأعضاء مجلس وزرائه ولموظفي الحكومة ولأي شخص يدعم الحكومة. عملية فساد كاملة. وفي نهاية المطاف عندما نزلت المعارضة في الانتخابات العامة الـ 14 رفض الناس تلك الحكومة وفزنا.. فازت المعارضة.

● هل أنت مقتنع بالصفقة التي توصّلت إليها ماليزيا مع «غولدمان ساكس»؟

- ليس الآن، كنت راضياً من قبل، ثم استقلت، معتقداً أنه سيتم الاستمرار في العمل في السياسة ذاتها، لكنهم غيروا السياسة وأصبحوا فاسدين. كنت غير راض أبداً عن ذلك، وتركت حزبي لأنه أصبح فاسداً، وأسست حزباً آخر لمحاربة الحزب السابق الذي كنت زعيمه مدة طويلة، وعملت مع أحزاب المعارضة الأخرى، وتمكّنا من هزيمة الحزب خلال الانتخابات التي جرت عام 2018، لأن الناس لم يكونوا يريدون تلك الحكومة، ودعمونا، رغم محاولات شراء أصوات الناس، لكن كثيرين رفضوا بيع أصواتهم، لذلك فاز التحالف الذي يضم حزبي، وتمكّن من تشكيل الحكومة.

● أي الدول تعاونت معكم من أجل استعادة أموالكم، وأي الدول لم تتعاون؟

- وزارة العدل الأميركية أدركت أن هناك شخصاً ما يشتري عقارات وملكيات بأموال مسروقة. القانون الأميركي لا يسمح بغسل الأموال المنهوبة، ما فعلوه هو أنهم سرقوا الأموال، وكان عليهم أن يخفوها في مكان ما، لذلك قاموا بشراء عقارات، اعتقاداً منهم بأن الأموال ستصبح نظيفة، وأنها لم تعد منهوبة، لكن في أميركا، إذا جرى شراء عقار بأموال منهوبة فستعمل وزارة العدل على تعقّب مصدر تلك الأموال، فإذا اكتشفت أن الأموال مسروقة تسارع إلى مصادرة العقار أو الممتلكات التي تم شراؤها بتلك الأموال. وهذا ما حدث في أميركا بخصوص أموال الصندوق، عندما تعقّبوا مصدرها وجدوا أنها من ماليزيا، لذلك جرت إعادة جزء من الأموال لماليزيا، لكن بعض الدول لم تقم بالإجراء نفسه، بحجّة السرّية المصرفية، وترفض الإفصاح عن البنوك التي أُودعت بها تلك الأموال، لذلك لم تُبدِ تلك الدول تعاوناً مع ماليزيا. لكن لدينا أناسا يعملون على تعقّب الوثائق، لأنه عند نقل الأموال بمبالغ كبيرة لا بد من أن تُوثَّق. علينا أن نتفحّص الوثائق مثل الفواتير والشيكات وغيرها من السجلات، التي استُخدمت لنقل تلك الأموال، من خلال المصارف في ماليزيا، وعندما يتبين لنا أين ذهبت تلك الأموال يمكن حينها المطالبة بها، لكن علينا أن نثبت أن تلك الأموال تعود لنا. ولا يمكن إثبات ذلك إلا بالوثائق والسجلات التي تثبت أن مطالبتنا محقة وصحيحة.

● كيف تقيّمون تعاون السلطات الكويتية في هذه المسألة؟

- ليست لدينا مشكلة مع الكويت، على ما أعتقد، لم تنتقل أموال كثيرة من ماليزيا إلى الكويت. بالطبع كانت هناك استثمارات كويتية في ماليزيا، لكن لم يكن هناك أي تورّط لها في عمليات غسل الأموال التي قام بها رئيس الوزراء الأسبق، لذلك ليست لدينا أي مشكلة مع الكويت.

● في رأيكم، ما المطلوب من الكويت في حالة الصندوق السيادي الماليزي؟

- إذا تمكّنا من تعقّب الأموال ووجدنا أنه لم يتم استثمارها على نحو ملائم، عندها سنقدم طلباً إلى الحكومة الكويتية لاستعادة أموالنا.

● ما الآلية التي اتبعت في غسل أموال الصندوق الماليزي؟

- جميع الأموال - لا سيما الأموال بمبالغ كبيرة - يجب أن تمر من خلال النظام المصرفي، ولا يمكن نقل مبالغ كبيرة من السيولة باليد، لذلك يجب إيداعها في حسابات مصرفية، ومن ثم إصدار شيكات لنقل الأموال بمبالغ صغيرة، والقيام بذلك مرات عدة، وتلك هي طريقتهم لإخفاء حقيقة أن الأموال منهوبة، لكن عندما يذهبون إلى البنك، ورغم السرّية المصرفية، فعندما تشتبه الحكومة بوجود جريمة يحق لها أن تطلب الاطلاع على تلك السجلات، عندها سيتم العثور على الشيكات والفواتير وسجلات الإيداع، التي ستظهر أن الأموال تعود إلينا، وأنه تم إيداعها من قبل فلان، وبامتلاكنا لتلك البيانات والمعلومات يمكننا تعقّب الأموال ومعرفة أين ذهبت.

● ما نصيحتكم لحكومتنا لكي تحارب الفساد بنجاح؟

- أرى أنني غير قادر على تقديم تلك النصيحة حتى لحكومتنا. ينبغي على صاحب السلطة أن يكون نظيف اليد، وأن يحبّ بلاده، وفي حال حدوث أي عملية اختلاس أو سرقة على أعلى رجل في السلطة أن يتصرف فوراً، وأن يعطي تعليمات للمسؤولين بأن يتعقّبوا أي أموال أُسيء استخدامها. إن أعلى رجل في السلطة هو الأهم، إضافة إلى ما ذكرت سابقاً عن وجود مشكلة ثقافية. ففي بعض البلدان ينظرون إلى الفساد باعتباره جريمة عادية وليست خطيرة. وعندما يكون هذا الرأي موجوداً في المجتمع سينتشر الفساد. لكن إذا كان المجتمع يؤمن بأن الفساد خطيئة، فإن المرء لن يسمح لنفسه بأن يكون فاسداً، ولن يستخدم الفساد لتحقيق أهدافه. ولهذا السبب أجري مقارنة بين العديد من البلدان، فالمشكلة في بعض الدول متفاقمة. وبشكل عام، موقف الناس من الفساد مهم جداً. عندما تجري تنشئة الأطفال في عمر 3 أو 4 سنوات على تمييز الصح من الخطأ وتعليمهم منذ الصغر بأن سرقة المال أمر خاطئ كالقتل سيرفضون الفساد عندما يكبرون.

● ما رأيكم في ما يحدث الآن مع إسرائيل؟

- كما تعرفون أميركا تدعم إسرائيل، واستخدام نفوذها على الدول في تلك المنطقة لقبول إسرائيل يضعف موقفها، وذلك لحقيقة أن إسرائيل سرقت أراضي الغير، وتأسست على أرض سرقتها من الفلسطينيين، وتتوسع الآن، وتبني مستعمرات على أراض فلسطينية، وتدّعي أن القدس عاصمتها. لا يمكن للفلسطينيين القيام بالكثير، لا يمكنهم أن يقاتلوا لأنهم ضعفاء، ولا يملكون جيشاً ولا قوة بحرية أو جوية، لكن أعتقد عندما تكون ضعيفاً ينبغي عليك كسب الدعم من الناس. الكثير من الناس يتعاطفون مع القضية الفلسطينية، لكن على الفلسطينيين ألا يخاصموا الآخرين، إذا كنت تريد دعم الناس لك فعليك أن تكون ودوداً مع الآخرين، ينبغي دائماً أن تقلّل أعداءك وتزيد من أصدقائك. هكذا تكسب الحروب.

● هل تتعرض ماليزيا لضغوط من أجل التطبيع مع إسرائيل؟

- بالطبع، لم يكن لدينا أبداً أي علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ليس لنا أي علاقة معها حتى الآن، لكن بالطبع كانت هناك استثمارات معينة منهم، تم رفضها، ولا نقيم أي علاقات تجارية معهم، وليس لدينا أي علاقة معهم حتى وإن كانوا متفوقين في التكنولوجيا، لم نُجر أي صفقة معهم.

● إذن ليس هناك ضغوط على ماليزيا للتطبيع!

- هناك بعض الضغوط، لكننا قادرون على التعاطي معها.

طريق الحرير الصيني

حول النقاشات الطويلة في الكويت عن مشروع طريق الحرير الصيني، ومستقبل ذلك المشروع، قال محمد إنه «يجعل الشرق أقرب إلى الغرب. هذا يتعلق بالممر البحري، والممر البحري أيضاً مفتوح. لكن التجارة - لسوء الحظ - تراجعت، بالنظر إلى عدم قدرة الناس على العمل وإنتاج السلع، والأسواق أصبحت كذلك فقيرة جداً، لأنها لا تجني الدخل الذي كانت تجنيه من قبل. والآن، بالنظر إلى مرض كوفيد–19 فإن العالم كله سيشهد تراجعاً، وهذا سيؤثر على كل الدول». وتابع: «أعتقد أنه من الصعب الآن العودة إلى وضع ما قبل جائحة كورونا. ولكني أعتقد أنه عبر وضع نظام صارم، يمكن للناس تقليل انتشار المرض، ويمكن الوصول إلى التعافي في بعض المناطق، إن لم يكن في كل المناطق».

الزملاء: المضف والعويصي ودرويش والحافظ

ماليزيا المتعددة الثقافات

في حديثه عن كون ماليزيا دولة متعددة الثقافات وكيف جرت المحافظة على وحدتها، أفاد رئيس الوزراء الماليزي السابق: «أدركنا أنه إذا واجه بعضنا بعضاً أو إذا وقعت مواجهات عنيفة بيننا، فإن هذا يزعزع استقرار البلاد. والدولة غير المستقرة لن تستطيع جذب الاستثمارات. لذلك اتفقنا على أن نكون شركاء في هذا البلد، ونحكمه معاً. فكل من سكان البلاد الأصليين الماليزيين والصينيين والهنود يشاركون في الحكومة، ونهتم جميعاً بمصالحنا، من دون تجاهل مصالح أي عرق. وهكذا، بالعمل معاً، تمكّنا من تحقيق الاستقرار في البلاد».

وأضاف مهاتير محمد: «نحن نحافظ على حكم القانون. إنها دولة ديموقراطية، ولدينا انتخابات يمكن لجميع الأعراق المشاركة فيها، والكثير منهم يصبحون جزءاً من الحكومة. ومن خلال العمل معاً بمشاركة مختلف الأعراق، تكون الفائدة تحقيق الاستقرار، وفي وضع مستقر يمكن أن تنمّي اقتصادك. وإذا لم تكن الدولة مستقرة، فإن أحداً لن يستثمر لديك، وبالتالي لا يمكن للبلاد تحقيق النمو».

صحتي ممتازة في الـ 95.. لهذه الأسباب

في إجابته عن سؤال حول محافظته على لياقته الصحية على الرغم من بلوغه الخامسة والتسعين، وبماذا ينصح الشباب ليكونوا بمثل صحته، قال محمد «اللياقة الصحية نصيحة للبقاء بصحة جيدة. هناك الكثير من الكتب حول كيفية عيش حياة صحية. اتبعوا ما هو مكتوب في تلك الكتب. بالنسبة لي. عندما تأكل كثيراً تزداد وزناً وسمنة، وعندما تكون سميناً تضع الكثير من الجهد والضغط على قلبك، وعندها لن تعيش طويلاً. لهذا أحافظ على وزني، حافظت عليه عند 60 – 62 كيلوغراما خلال السنوات الثلاثين الماضية، لم يتغير وزني كثيراً، آكل بحدود». وأضاف رئيس الوزراء السابق: «أقول دائماً للناس عندما يكون الطعام لذيذاً توقفوا عن الأكل، لأنه عندما يكون الطعام لذيذاً يأكل الناس كثيراً ويزداد وزنهم، وهذا أمر غير جيد لصحة الإنسان. وبطبيعة الحال، عندما يكون المرء كبيراً في السن يميل إلى البطء في حركته ونشاطه، وعندما لا تكون نشيطاً يبدأ الجسم في فقدان قوته، كذلك الأمر بالنسبة للدماغ. إذا لم تستخدم عقلك يبدأ بفقدان القدرة على التذكّر والقيام بمختلف الأمور، لذا، عليك دائماً القراءة والكتابة والتحدث إلى الناس والدخول في نقاشات معهم، وحاول أن تكون دائماً نشطاً، لتكون قادراً على الإجابة عن الأسئلة».

(ترجمة: إيمان عطية ومحمد أمين) 




تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking