في عام 2007 نشرت القبس إعلان تصفية مكتبة الربيعان لمؤسسها الراحل يحيى الربيعان، متضمناً عرض أي كتاب فيها بربع دينار! والسبب بطبيعة الحال، تراكم المصاريف وتراجع المبيعات. المفاجأة أن الجواب قد جاء من سمو الأمير حينها الشيخ صباح الأحمد، ومفاده بأن المكتبة باقية بإرثها الثقافي. وأمر بشراء جميع معروضاتها بقيمتها الحقيقية، فضلاً عن ترميم وإعادة افتتاح المكتبة بالكامل، بحضور وزير الديوان الأميري في حينها الشيخ ناصر صباح الأحمد. ومع مرور الأيام، رحل مؤسس المكتبة، وبالأمس القريب رحل بعده أمير الإنسانية، لكن المكتبة ظلت باقية في نشر رسالتها للعالم العربي.

استذكرت هذه الحادثة، وأنا أتابع كيف نجح صباح الأحمد طيّب الله ثراه، بترك بصمة خالدة في قلوب أبنائه. فرسائل التعازي والرثاء المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي كانت تحمل في طياتها لمسة شخصية توحي بأن من يشارك الصورة مع سموه كان يوماً من أشد المقربين منه. إلا أن صباح الأحمد في الحقيقة قد نجح في صنع ذكرى خاصة في نفوس من يقابلهم، من خلال أحاديثه وزياراته وتهانيه لهم في الدواوين والمقاهي الشعبية وجمعيات النفع العام، كما جرت عادة الفقيد.

تلمّست شخصياً هذه البصمة حين تلقيت خبر وفاته رحمه الله وأنا خارج البلاد لظروف العمل. لكني كنت في اليوم نفسه ضمن خلية نحل في مشروع كفو التابع للديوان الأميري، تعمل على صياغة حملات مجتمعية يقودها شباب الكويت باهتمام وتوجيه مباشر من سموه. وقبلها بأسبوع، كنت بصحبة فريق آخر يستضيف 200 فريق عربي- افتراضياً - لصياغة أفكار تنموية لما بعد الجائحة بمبادرة حكومية كويتية، بالتعاون مع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتعتبر هذه المبادرة من ثمرات القوة الناعمة التي غرس الفقيد ثمارها في ميادين الدبلوماسية الكويتية.

قد لا نضيف ككويتيين الكثير في سرد ما ترك أمير الإنسانية من إرث لوطنه وأمته والعالم، إلا أننا حتماً نحمل في قلوبنا بقايا من روحه بشكل أو بآخر. ولعل هذا ما دعاني في غير مناسبة سابقة، للطلب من معالي أحمد فهد الفهد وكيل الديوان الأميري ومدير مكتب أمير البلاد على توثيق شهادته للتاريخ. فقد لازم بوفهد أمير الإنسانية على مدى 3 عقود أي منذ كان سموه وزيراً للخارجية. وبالتالي كان شاهداً على الكثير من الأحداث بتفاصيل لم تتح لغيره. وبطبيعة الحال، للعمل أسرار وليس كل ما يعرف يقال، إلا أن هذه المسيرة الزاخرة هي تاريخ وطن وليست سيرة عابرة. وفيها بلا شك جوانب إنسانية خافية، لم نعرف عنها غير ما تختاره مانشيتات الصحف! وأجدد الدعوة من هنا للجيل الاستثنائي الذي عاصر سموه في مختلف محطات حياته لينقلوا شهاداتهم للوطن وللتاريخ عبر مذكرات منشورة أو من خلال استضافتهم في أعمال توثيقية مصورة مثل «الصندوق الأسود».

سعد عبدالله الربيعان

@s_alrubaiaan

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking