آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

118531

إصابة مؤكدة

721

وفيات

109916

شفاء تام

في يوم 22 سبتمبر منذ أربعين عاماً، كنت أعمل في شركة صناعة البتروكيماويات في الشعيبة، عندما انتشر الخبر بين العاملين بأن الطائرات العراقية قد قصفت عبادان ومدن إيرانية أخرى. لقد أحدث الخبر نوعاً من التوتر خشية أن تمتد العمليات العسكرية العراقية ــ الإيرانية إلى الكويت، خاصة أننا كنا نعمل في مصنع ينتج الأمونيا والأسمدة الكيماوية، وفيه خزانات وأبراج تفاعل يبلغ الضغط فيها 500 كيلوغرام على السنتيمتر المربع الواحد، أي ما يعادل 500 الضغط الجوي. هذا ولم يخطر ببالنا آنذاك أن هذه الحرب ستستمر إلى 8 أغسطس 1988، حاصدة حياة أكثر من مليون من الإيرانيين والعراقيين، عدا عن خسائر زادت على 350 مليار دولار. في وقت ساد فيه الكساد النفطي، حيث بلغت أسعاره حوالي عشر دولارات للبرميل الواحد.

ولم يخطر ببالنا آنذاك أن هذه الحرب ستولد حروباً أهمها غزو الكويت. فعندما انتهت الحرب العراقية ــ الإيرانية، وجد صدام نفسه مدججاً بالسلاح بأكثر ما يقارب أربعمئة طائرة، وستة آلاف دبابة، وأصبح تحت إمرته حوالي مليون جندي. هذا بعد أن كان قد بدأ الحرب بمئة وخمسين طائرة، وألفي دبابة، وربع مليون جندي. والأهم أنه عندما بدأ حربه ضد إيران كان لدى العراق من الاحتياطيات المالية ما يزيد على 60 مليار دولار، انحدرت إلى أن أصبح العراق مديناً بـ50 مليار دولار عندما انتهت الحرب. وبعد أن وجد نفسه من دون دعم مالي من السعودية والكويت، اخترع قصة سرقة الكويت للمخزون العراقي من البترول، ودخل في مفاوضات مع الكويت حدد نهايتها بغزو الكويت الذي شنه في 2 أغسطس 1990.

أما الوليد الثاني للحرب العراقية ـــ الإيرانية، فكانت حرب تحرير الكويت في يناير 1991، وانتهت بالمرحلة الأولى من تحطيم العراق مع المحافظة على نظام صدام، وتبعها حرب اقتصادية أدت إلى تدهور حياة العراقيين ومذلتهم. أما الوليد الثالث للحرب العراقية ـــ الإيرانية فكان غزو العراق واحتلاله من الأميركان والإيرانيين. وهي حرب قررها جورج بوش الابن عن نزوة ومن دون تخطيط ومعرفة بتاريخ العراق ومجتمعه، ومن دون معرفة بنتائج حكم دكتاتوري استمر 35 سنة، وبحصار اقتصادي استمر 13 سنة. لذا كانت النتيجة النهائية للحرب العراقية ـــ الإيرانية قاسية على الإيرانيين والعراقيين والكويتيين. فنحن جميعاً نشترك في معاناتنا من هذه الحرب. هذا من ناحية، لكن من ناحية أخرى صنعت هذه الحرب من إيران دولة مستقلة اقتصادياً الى حد كبير وواثقة من نفسها، مشكلةً رؤية تتغذى من التراث القومي الفارسي والنسخة الصفوية من المذهب الشيعي.

فعندما يتحدث القادة الإيرانيون عن تضحية إيران خلال الحرب العراقية ــ الإيرانية، ومعاناتهم من الحصار الدولي الذي فرض عليهم خلال فترة الحرب، فإنهم يستعيدون مظلومية الشيعة في التاريخ الشيعي الذي بني على تضحية الحسين وموقفه الثابت على الرغم من تخلي من كان قريباً له عنه. وذاكرة الحرب العراقية ــ الإيرانية حاضرة بقوة لدى الشعب الإيراني وقادته، بينما هي غائبة في العراق، لكونها ارتبطت بشخصية صدام، ولكون الأحزاب الشيعية المهيمنة على السلطة في العراق تعيد ذكراها على الطريقة الإيرانية.

هذا وكان من نتائج الحرب العراقية ـــ الإيرانية، أن تراكمت تجربة إيران في اعتمادها على نفسها فأصبحت قوة عسكرية تمتد أذرعها إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، معتمدة على الأحزاب الشيعية التي زرعتها في هذه المناطق. بل إنها في اليمن تمكنت من أن تجعل من الحوثيين وهم أقلية اثني عشرية، سادة على الغالبية الزيدية التي ترجع إلى زيد بن علي بن الحسين – الأخ الأصغر لمحمد الباقر بن علي. بينما يرجع الشيعة الاثنا عشرية إلى محمد الباقر بن الحسين ثم إلى ابنه جعفر. وخلافا للاثني عشرية، فإن الزيدية لا تشكك في شرعية خلافة أبو بكر وعمر. لذا فإن السنة الشافعية في اليمن يصلون في نفس مساجد الزيدية.

بل إن إيران بتمددها العسكري والمالي والطائفي، فرضت مبدأ الولي الفقيه الذي ميز الخميني نفسه على مناطق عربية عريقة بمراجعها وبتراثها الشيعي، مثل العراق ولبنان. فلم يخطر حتى ببال الشيعة أن تتحول مرجعية الكثير منهم من النجف إلى قم. ومبدأ الولي الفقيه وفقاً لموقع ar.wikishia.net هو أن يكون الفقيه (الجامع لشروط التقليد والمرجعية) نائباً عن المهدي في ما للإمام من صلاحيات واختيارات مفوضة له في إدارة شؤون البلاد والقيام بمهام الحكومة الإسلامية. وهذا المبدأ هو الذي أطال عمر الحرب العراقية ــ الإيرانية، حيث كان يمكن أن تنتهي بعد سنتين من بدايتها، أي بعد أن تمكنت ايران من طرد القوات العراقية من الأراضي الإيرانية عام 1982، لكن عندما يكون قائد الدولة هو الولي الفقيه تصبح الحسابات ميتافيزيقية أو إيمانية. فكان الخميني يطمح باحتلال بغداد التي اضطره حاكمها أحمد حسن البكر ونائبه صدام، على ترك النجف عام 1978 متوجهاً إلى الكويت التي لم تسمح بدخوله، فتوجه على إثرها إلى فرنسا.

وفي لقاء في 21 / 9 / 2020 مع قناة العالم الإيرانية أكد اللواء محسن رفيق دوست رغبة الخميني باحتلال بغداد وإسقاط نظام صدام، إلا أن هاشمي رفسنجاني تمكن من إقناع الخميني بـ«تجرع السم» على ما صرح به آنذاك. فأعلنت ايران قبولها وقف هذه الحرب في 8 / 8 / 1988 وكنت حينها في رحلة عمل في العاصمة الصينية عندما تصدر الخبر انباء الصفحة الاولى في The China Daily.

لكن هذ الحرب مازالت مستمرة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. فالثورة الإيرانية مستمرة تستمد طاقتها من تجربة ايران في الاعتماد على نفسها عسكريا واقتصاديا وعلى ايديولوجية مستمدة من المظلومية التي بني عليها الفكر الشيعي. ولن تنتهي من دون تحول في وعي الشعب الإيراني يمكنه من تجاوز ولاية الفقيه والمضي في طريق ناقلاً إياه لصياغة دستور نابع من قوانين الأرض وبمباركة من السماء.

د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking