آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

124666

إصابة مؤكدة

767

وفيات

115475

شفاء تام

تبحر الكويت في المياه الخابطة خليجياً، إقليمياً، عربياً ودولياً، فواقع مجلس التعاون الآن بعد مبادرة الإمارات والبحرين، وفتح أبواب التصدير والاستيراد غير ما كان عليه، فلا توجد مؤشرات بإمكانية التفاهم بين قطر والآخرين، ومن يستمع إلى إعلام الطرفين يخرج متأسفاً على ما وصلت إليه الحالة، مقتنعاً بأن التباعد سيتسع، وأن الكويت التي تعتمد في استراتيجية الأمن والدفاع على وحدة المجلس وفاعلية قراراته، ستعاني أكثر من غياب تماسك الوحدة الخليجية.

كما نشهد تصدع العلاقات بين بعض دول مجلس التعاون وإيران، ولا سبيل لنكران تأثيرها السلبي على الكويت، مع توقعات بمواجهات تكون دامية بين قوى لمصلحة إيران تقاوم عودة العراق الطبيعية، وفوق ذلك تدخلات تركية في شمال العراق، وتجمعات إرهابية تستهدف حكومة الكاظمي، الذي يستحق الدعم في برامجه.

وفي الولايات المتحدة صراع الحزبين، بين من يريد عودة الولايات المتحدة إلى دبلوماسيتها التي شيدتها منذ الأربعينيات في توازن القوى والحفاظ على وحدة الناتو، وبين الرئيس ترامب الذي خرج على التقاليد الأميركية في جميع مناطق النفوذ الأميركية، بما في ذلك قضية فلسطين وتقديمه مشروع الدولة الفلسطينية على بعض أراضي الضفة وغزة، عبر صفقة القرن، مع دعم بعض الدول العربية ومعارضة منظمة التحرير التي تريد العودة إلى المبادرة العربية والانسحاب إلى حدود 1967، وتتطلع إلى فوز الحزب الديموقراطي لعل الأمل يتجدد في صفقة أحسن.

وماذا عن الوضع الداخلي الذي لا يهدأ، لأن معظم أعضاء مجلس الأمة جعلوا من نقطة الاستجواب أولوية في مسارهم، بحثاً عن تميزات ينالونها، كل ذلك من دون حساسية برلمانية لوضع الكويت المحرج ولمخاطر إدخالها في فضاء متوتر، يؤخر العمل، ويشكك في النوايا، ويصيب القيادات الحكومية والبرلمانية بالضجر، ويؤدي إلى خطورة الانفصام بين السلطتين (الحكومة والبرلمان) مع الافرازات الخطرة التي يحملها الانفصام.

كانت المواجهة المتشجنة التي تمثلت في تلاحق الاستجوابات للوزير أنس الصالح، ثقيلة على الرأي العام، لأنه أول وزير من خارج الأسرة، مقدر مسؤوليته، ساهر على القيام بها، متواصل في ملاحقة الفساد، ومحترم من جهاز الوزارة، متمتع بثقة الرأي العام، لكنه مستقيم فلا يذعن لنواب الخدمات، ولا يبحث عن ثناء سقيم من فرق المستفيدين، فخرج عليه أصحاب الملفات الذين يتكسبون على التوسطات غير القانونية والخدمات لأنها طريق الفوز والعودة.

ويفشل الاستجواب لأن النواب لم يستوعبوا حجم الدعم الذي يتمتع به الوزير شعبياً، وما زاد من الارباك موقف بعض نواب جمعية الاصلاح، فأنا أساند جمعية الاصلاح في تعزيز القيم الانسانية ومكانتها في المقام الأخلاقي العالي، وعلى علم بما نكنه من احترام للملف الدعوي النظيف، لكن نوابها أو بعضهم تاه مع تموجات السياسة، وانضم إلى المعارضة والتشكيك، دون مراعاة لاستقرار الكويت وظروفها الصعبة، وبدلاً من المساهمة في إبعاد التوتر، ينضم بعض نواب الجمعية إلى رمي مواد الاشتعال في الفضاء السياسي الكويتي، رغم أن مصلحة جمعية الاصلاح في الحفاظ على حبال الود مع الحكومة، بدلاً من زيادة متاعبها، ولم يتحقق أملي في قدرة النائب محمد الدلال، آمر كتيبة حدس في المجلس، على تطويق اندفاع زملائه في تأييد الاستجوابات الفكاهية.

وإذا طوينا ملف الداخلية، فإن الأمر الأكبر يأتي من استجواب سمو رئيس الوزراء، فمن الواجب تبيان أن مواجهة رئيس الوزراء معناها الصدام مع أعمدة الاستقرار في البلد، ومع قيادته، ومع محتوى اللياقة التي أمنت له ثقة سمو الأمير.

هؤلاء المستجوبون يشككون في كفاءته في حمل المسؤولية، ويرون إضعافه، وهنا من المفيد الاستذكار بأن دستور الكويت قائم على الشراكة بين السلطتين في تفاهم، أولوياته الحرص على أمن الوطن واستقراره، وهي مسؤولية مشتركة، وفي هذه الحالة، فالواضح أن جماعة المستجوبين لم يراعوا الدستور ولم يهتموا باستقرار الوطن، ولم تشغلهم همومه، وإنما التعامل بخفة مع قضية كبرى تمس أمن الوطن.

المسألة ليست غشمرة تستغرق ساعة أو ساعتين أو تنتهي، وإنما هي ممارسة مقصودة لإضعاف قواعد الاستقرار، وجر الكويت إلى مناخ تتابع فيه موجات التأزيم للتضييق على الحكومة وحرق أعصابها..

عاش سمو الشيخ صباح الخالد في ممرات التأهيل منذ بداية حياته العملية، شاهدته في الأمم المتحدة، جاء ليتابع ويتمعن ويهضم، كنت مندوباً للكويت فيها، وكان متنقلاً في جولات مروراً بسفارة الكويت في الرياض ثم وزيراً للخارجية، ووقع عليه اختيار سمو الأمير كرئيس للوزراء، ممتدحاً ثوبه النظيف.

أحمل له كل تقدير وأعرف عفته ويعجبني محتوى أخلاقياته وتواضعه، وأهم من ذلك وعيه للمسؤوليات، وأولها سلامة الكويت وأمنها والحفاظ على مقامها ومقام نظامها.

ما الذي يكسبه نواب المساءلة من كل هذا المهرجان؟ وهل معقول أن يطلب نائب استجواب رئيس الوزراء فيوضع هذا الطلب على جدول الأعمال؟!

هنا يأتي دور رئيس المجلس ودور مكتب المجلس، فأبرز مسؤوليات المكتب الحفاظ على سلامة العمل وشرعية جدول الأعمال، مع إجراء اتصالات واسعة لتأجيل طلب المساءلة وإقناع أصحابها وتكثيف المشاورات مع أكبر عدد، مع صون المقام المميز لرئيس الوزراء وحماية هذا المقام من التطاولات والمفردات السوقية.

فرئيس الوزراء أحرص من الجميع على اتقان العمل، حاملاً نزاهة اللوحة، ونظافة اليد، وسلامة اللسان، وعفة الأخلاق، ولا يدانيه في مسعاه نحو أفضل عطاء يوفره للكويت أي من النواب، بمن فيهم من يريد بعثرة الأوراق في صورة النائب المستجوب لرئيس الوزراء.

يظل الفساد أخطر ما يؤذي الكويت، لكن فساد الضمير يحمل الدمار ويقوض الاستقرار، ويعبث بقواعد السلوك في تحد لسيادة القانون، فمن يهرع لكشف فساد المال، عليه أن يدرك أن الفساد لا يعترف بالانتقائية، وأن فساد الضمير ليس له سياج لأنه قادر على تجاوز جميع المصدات.

ومن المناسب أن نقف عند مؤشرات التغيير في قواعد العمل التي شيدها سمو الرئيس صباح الخالد، فلا مجال لعودة الزمن الذي يتمتع فيه النائب بحصاد من تجارة التصويت التي كانت رائجة، تأخذ شكل شيك يستقر بهدوء في أحد البنوك.. بالإضافة إلى أن مسطرة الاختيار هي الكفاءة وحجم العطاء والوفاء لمقتضيات العمل والابداع، فلا مكان للمحاصصة أو القبيلة أو الطائفية، فلا نصير للوزير سوى مؤهلاته..

كتبت كثيراً عن خطورة المادة التي تمنح نائباً واحداً حق استجواب الوزراء، بمن فيهم الرئيس، واقترحت أن يكون الطلب في حدود عشرة على الأقل، لتأمين مبرر معقول من الشرعية، والابتعاد عن قوى العواطف في الاندفاع الاستجوابي.

دور مجلس الأمة الحرص على سلامة الكويت وتحصين أهلها وصون سيادتها واستقلالها، وليس الاندفاع في موجات استجواب تسبب البلبلة وانعدام الاستقرار.. فقد جاء الدستور من أجل تأمين هوية الكويت، وصون سلامتها وفق تعاون السلطتين، ومن المفيد أن نذكر النواب بأن الرأي العام الكويتي فقد ثقته بقدرة المجلس على العطاء في مسارات الأمن والاستقرار، مع فشل المجلس في الاتفاق على شحنة من قرارات تؤدي إلى المزيد من الانفتاح المستنير، التي تزيد من أعماق الحياة البرلمانية للوصول إلى استعادة ثقة الشعب في الواقع البرلماني، وهو شرط أساسي في تأمين قدرة الكويت على تجاوز العواصف السائدة داخلياً وعربياً وإقليمياً.

عبدالله بشارة

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking