آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

102441

إصابة مؤكدة

595

وفيات

93562

شفاء تام

مازال كتاب ألكسيس دو توكفيل – عالم الاجتماع الفرنسي «الديموقراطية في أميركا» من أهم الكتب حول علاقة النظام الديموقراطي السياسي الأميركي بالديانة المسيحية. هذا ومع أن الكتاب نشر عام 1835 بعد زيارة توكفيل للولايات المتحدة عام 1831 والتي استمرت حوالي السنة، إلا أن الكتاب يبقى مرجعا حتى في زمن ترامب. هذا وأنا أقرأ في البحث الطويل الذي نشره كارسون هولوي Carson Holloway في heritage.org 2016/3/7 تخيلت ان كان سيستوعب التغيرات التي طرأت على المسيحية الأميركية محولا ما يقترب من حوالي %23 من الشعب الأميركي الى مسيحية ايفانجليكية يمكن وصفها بـ«السلفية»، وذلك للجوئها الى التفسير الحرفي للإنجيل. لكن قبل أن أتحدث عن كتاب «الديموقراطية في أميركا» لتوكفيل، بودي أن أتحدث عن تجربة شخصية تبين مدى تنوع المذاهب الدينية في الولايات المتحدة.

منذ حوالي ثلاث سنوات كنت في رحلة على الطائرة من سان دييغو في ولاية كاليفورنيا إلى شيكاغو في ولاية الينوي، وكنت جالسا على كرسي الممر، بينما جلس على جانبي الأيمن شاب أميركي وزوجته وطفلهما. ولقد لفت نظري الزي الذي كانت تلبسه الشابة، والذي بدا كلباس النساء في القرن التاسع عشر من ناحية امتداده إلى القدمين وتغطيته لكامل الذراعين. أما الرأس فقد غطي بقبعة من القماش. كان معي ساندويشة كبيرة مقسومة نصفين، تكفي للاعب كرة قدم أميركية، فعرضت نصفها للشاب مما سهل تبادل الحديث بيننا. وكان هدفي أن أعرف إلى أي طائفة مسيحية ينتميان، لكن كان علي أن أصبر قليلا لإرضاء فضولي.

تحدثنا عن كاليفورنيا، وأخبراني أنها كانت رحلتهما الأولى لها. وأنهما زارا متنزه يوسيميتي الوطني إضافة إلى ديزني لاند. كما عرفت أن اسم طفلهما كان «ايدن» أو عدن باللغة العربية. وأخبرني أنه تخرج في الهندسة الميكانيكية من جامعة بيوريا Peoria، وهي الجامعة التي أسستها شركة كاتربلر للمعدات، وأنه يعمل في مصنع جون دير John Deer للمعدات الزراعية. وبعد أن تشاركنا الحديث والساندويش، تحدثت عن نفسي، وعرفتهم على زوجتي التي كانت تجلس في مقعد يفصلني عنها الممر. بعدها عرفت أنه ينتمي إلى طائفة مسيحية يطلق عليها أنابابتست Anabaptist، وأنه في كل أميركا لا يوجد من أبناء هذه الطائفة أكثر من 15 ألفا. وعندما سألته عن الطريقة التي تعرف فيها على زوجته، أخبرني أنه كان ذلك عن طريق القس في الكنيسة. وعندما استفسرت إن كان قد قابلها قبل تعريف القس، نفى ذلك. وأخبرني أنه كثيرا ما يختار القس البنت المرشحة للزواج ويقبل بها الشاب من دون أن يراها.

لم أناقش آراءه السياسية، لكني قرأت بعدها ان هذه الطائفة المسيحية يعتبرون أنفسهم أنهم ينتمون إلى مملكة الأرواح، ويعيشون في مملكة الأرض التي يطيعون قوانينها، لكنهم لا يشاركون في التصويت في انتخابات الرئاسة ولا في انتخابات مجلس النواب. وهناك احتمال قليل ان يكون عالم الاجتماع توكفيل قد قابل احد ابناء هذه الطائفة عام 1831.

هذا وإن كان توكفيل قد انبهر من علاقة القيم المسيحية في النصف الأول من القرن التاسع عشر بالقيم الديموقراطية التي استند عليها الدستور الأميركي، فإنه لا شك سيصدم من تحالف المذاهب المسيحية السلفية مع تيار ترامب العنصري، مع ادراكهم لفقدانه البوصلة الأخلاقية كما صرح جيم ماتيس – وزير الدفاع الأميركي السابق.

فقد رأى توكفيل في النظام السياسي الأميركي أنه كان نظاما علمانيا، لكنه بني على أساس ديني «الدين والأخلاق هما أقوى دعامتين يستند عليهما المواطنون». وكان يرى أن هجرة البروتستانت من أوروبا إلى أميركا تعتبر هروبا من سلطة البابا المركزية، والذي جعلهم اكثر تقبلا للديموقراطية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن رجال الدين، إن كانوا مسلمين أو مسيحيين، يرون أن الدين يعمل على تهذيب النفس الإنسانية وكبح جماحها محضرا اياها لخلق إنساني اجتماعي.

لكن هولوي في بحثه عن كتاب توكفيل يرى أن المسيحية في أميركا فقدت تأثيرها الأخلاقي على المجتمع، «فالمسيحية اليوم لا تملك السلطة الأخلاقية التي كانت في 1835». ويرجع ذلك إلى التغيرات التي طرأت عليها منذ بداية انتشار المسيحية السلفية. فهذه الأخيرة لم تعد بحاجة إلى مبنى تلتقي به مع الرعية، ولا علاقة بين القس والفرد. فالقس موجود في بيتك في أي وقت وفي أي مكان من خلال الراديو في الخمسينات، والتلفزيون في الستينات والسبعينات، وبعد وإلى حضوره الأكبر من خلال الانترنت. فشخصيات قبل بيل غراهام ثم ابنه وجيري فالويل، وابنه الذي اعترف بتقبله لخيانة زوجته، يديرون امبراطوريات مالية من خلال خطابهم الديني التحريضي. هؤلاء السلفيون المسيحيون لن يتخلوا عن ترامب، وإن اكتشفوا كذبه. كما أنهم معادون للثقافة بشكل عام، والتي يعرفون أن انتشارها سيؤدي إلى اضمحلال قاعدتهم التي تشكل حوالي ثلث الأميركيين الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين. أي ثلث الـ%75 من الشعب الأميركي.

هؤلاء السلفيون المسيحيون لا ينتمون الى مملكة الأرواح التي ينتمي اليها الـ«أنابابتست»، إنما يريدون السيطرة على مملكة الأرض. فلم يكن تعويض جيري فالويل، رئيس جامعة الحرية التي طرد منها بعد فضائحه، غفرانا او أجرا في السماء، انما كان اكثر من عشرة ملايين دولار. هؤلاء يعتقدون ان ترامب ضروري من اجل فرض الأمن الذي يهدده السود واليساريون والمسلمون وحتى الكاثوليك. لذا يقتبس جيف سيشن المدعي السابق لترامب في Atlantic June 30 2020 قولا من القديس بول «اطع الحاكم لأن الله اعطاه السلطة لفرض الأمن» والقريب نصاً ومعنى لقول لابن تيمية.

د. حامد الحمود 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking