التقشُّف يجلب معاناة أشد في الخليج

تعوّل دول نفطية في منطقة الخليج على أساليب مجربة، خلاصتها تقليص الإنفاق وزيادة الاقتراض لاجتياز أزمة فيروس كورونا، غير أن مخاطر هذه الاستراتيجية أشد من أي وقت مضى بسبب الغموض الذي يكتنف آفاق النفط.

فقد اعتمدت نوبات ربط الأحزمة السابقة على انتعاش أسعار النفط في إعادة ملء الخزائن، غير أنه أصبحت لدول الخليج احتياجات تمويلية أكبر وأصول خارجية أقل مما كان عليه الحال في الأزمات السابقة، في حين أن الجائحة قد تفرض استمرار الطلب عند مستوى منخفض لفترة أطول.

انتعشت أسعار برنت منذ هوت إلى أدنى مستوى خلال أكثر من 20 عاماً في أبريل، لكنها لا تزيد إلا قليل فوق 40 دولاراً للبرميل، أي أنها أقل بكثير مما تحتاج إليه أغلبية دول الخليج لضبط ميزانياتها.

ظهر بالفعل الأثر السلبي على آفاق النمو الناتج عن التحول إلى التقشف في منطقة يعد الإنفاق الحكومي فيها المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، فضلاً عن سعي بعض البلدان إلى حماية وظائف المواطنين على حساب العمالة الوافدة.

وقالت مونيكا مالك كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري «المشكلة التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي هي أن الطلب المحلي يدفعه الإنفاق الحكومي، وهذا يتطلب أسعاراً أعلى بدرجة كبيرة للنفط».

وتسلط تدابير خفض الإنفاق، التي تتناقض مع حزم التحفيز التي ضختها حكومات خارج المنطقة بتريليونات الدولارات، الضوء على محدودية مساحة المناورة المتاحة لدول الخليج.

ويدور عجز الميزانيات في الوقت الحالي بين 11.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في السعودية و16.9 في المئة في سلطنة عمان وفقاً لصندوق النقد الدولي. والدولة الوحيدة التي يُتوقع أن تحقق فائضاً هي قطر.

وتنسجم التدابير المتخذة في الوقت الحالي على صعيد السياسات مع أسلوب السلطات الإقليمية في التصدي للأزمات السابقة. فقد شهدت منطقة الخليج ارتفاع مستويات الدين بعد انهيار أسعار النفط في 2014 - 2015، ونفذت دول عدة سياسات عمالية لمصلحة مواطنيها على حساب العمالة الوافدة بعد انتفاضات الربيع العربي في 2011، غير أن المخاطر هذه المرة أكبر لأن الغموض يكتنف مستقبل أسعار النفط بدرجة أكبر. ويتوقع غولدمان ساكس ارتفاع أسعار برنت في 2021 لتصل إلى 65 دولاراً للبرميل بحلول الربع الثالث من العام المقبل، غير أن مسحاً أجرته رويترز حديثاً أظهر توقعات لزيادة متواضعة في 2021 يبلغ فيها متوسط سعر برنت 50.45 دولاراً للبرميل.

وقدّمت شركة سيتي غروب رسالة تشجيع للمضاربين اليائسين بشأن ارتفاع أسعار النفط، حيث كشفت أن الأسعار ستعود إلى 60 دولاراً للبرميل قبل نهاية عام 2021.

وذكرت وكالة بلومبيرغ أن الرئيس العالمي لأبحاث السلع في مجموعة سيتي غروب إد مورس عبّر عن تفاؤله قائلاً: «سترتفع الأسعار وستتراجع المخزونات الضخمة». وتتوقع سيتي غروب أن خام برنت القياسي العالمي، الذي يتم تداوله حالياً بالقرب من 40 دولاراً للبرميل، أن يصبح بمتوسط نحو 55 دولاراً في عام 2021 قبل أن يعود إلى علامة 60 دولاراً بحلول نهاية العام.

تغطية العجز

ولن يكفي ذلك لتغطية العجز لدى معظم دول الخليج. وفي أبريل، قدّر صندوق النقد أن السعر الذي تحقق به السعودية التعادل بين الإيرادات والمصروفات هو 76.1 دولاراً للبرميل هذا العام و66 دولاراً في العام المقبل.

وقالت موديز للتصنيفات الائتمانية «نتوقع أن يستغرق تحديث اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي وتنويع مواردها بدلا من الاعتماد على النفط وقتا»، وهي تقدر أن يظل نمو النشاط الاقتصادي غير النفطي ضعيفاً في العامين المقبلين بالمقارنة مع متوسطاته السابقة.

وثمة بعض الاختلافات في النهج بين دول مجلس التعاون الخليجي الست. فقد قالت السعودية صاحبة أكبر اقتصاد في المنطقة إنها لم تدخل مرحلة تقشف، وإنها ستلتزم على الأرجح بالميزانية التي أعلنتها في ديسمبر.

ومع ذلك، فقد رفعت ضريبة القيمة المضافة لثلاثة أمثالها وأوقفت صرف بدل غلاء المعيشة وأعلنت تخفيضات في الإنفاق في المجالات التي لا تدخل في نطاق الأولويات.

وقال جون سفاكياناكيس الخبير في الشأن الخليجي بجامعة كمبريدج «ثمة وجهة نظر قوية تملي سياسة الإنفاق في السعودية، مفادها أن أسعار النفط ستنتعش هذا العام إلى مستوى يبرر الحفاظ على الإنفاق من دون تغيير».

وأضاف «هذا نهج أكثر جرأة من دول خليجية أخرى تعمل فقط على خفض الإنفاق والاقتراض في إطار استعدادها لانتعاش أسعار النفط بوتيرة أبطأ وانتعاش الإنفاق بوتيرة أشد بطئا».

وقال المتحدث باسم وزارة المالية السعودية إن قطاع النفط ليس المحرك الرئيسي للانتعاش الاقتصادي. وأضاف «الحكومة اتخذت بعض التدابير لزيادة الإيرادات غير النفطية خلال 2020 بما في ذلك زيادة ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية. وسيعزز الانتعاش الاقتصادي المستمر الإيرادات من خلال هذه التدابير على أن يظهر الأثر السنوي الكامل في العام المقبل وهو ما يمثل المصدر الرئيسي لزيادة الإيرادات غير النفطية المتوقعة في 2021».

وفي الوقت نفسه، خفّضت البحرين وسلطنة عمان والكويت ودبي الإنفاق الحكومي هذا العام. ولم يرد مسؤولون في القطاع المالي بهذه الدول على طلبات للتعليق.

وأتاحت البنوك المركزية الإقليمية حزماً تحفيزية كبيرة للتخفيف من أثر تفشي الفيروس على اقتصاداتها، غير أن الدعم الحكومي في بعض الحالات كان أقل كثيراً.

وفي الإمارات، يقول صندوق النقد الدولي إن ذلك بلغ اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مقابل حزمة تدابير من البنك المركزي بلغت 20 في المئة من الناتج الإجمالي.

ثبات النشاط

توضح بيانات مؤشر مديري المشتريات أن إجراءات تقييد الإنفاق كان لها بالفعل أثرها السلبي على النشاط الاقتصادي، إذ تدهورت ظروف الأعمال في السعودية والإمارات في أغسطس.

وقالت كابيتال إيكونوميكس في لندن «مؤشرات مديري المشتريات للاقتصاد الكلي لشهر أغسطس من شتى أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا انخفضت كلها، ما زاد العلامات الدالة على أن النشاط بلغ مرحلة الثبات في المنطقة وسط تقشف في الإنفاق واستمرار تدابير احتواء الفيروس»، وأضافت «نتوقع أن يكون الانتعاش من الأزمة الحالية عملية بطيئة». ومع انكماش الاقتصاد وتدهور الميزانيات، فمن المرجح أن تحاول الحكومات الحصول على قروض أطول أجلاً وأقل كلفة في الشهور المقبلة بعد أن جمعت بالفعل ما يقرب من 50 مليار دولار في أسواق الدين العالمية هذا العام.

فقد عادت دبي إلى أسواق الدين العام في الشهر الجاري للمرة الأولى منذ ست سنوات، لتجمع ملياري دولار في صفقة جيدة التسعير تعطي مؤشراً على أن الأسواق ما زالت مفتوحة للمنطقة رغم الركود.

وتقدر ستاندرد آند بورز للتصنيفات أن العجز التراكمي للحكومات المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي سيصل إلى نحو 490 مليار دولار إجمالاً بين 2020 و2023، وتتوقع أن يرتفع الدين الحكومي لدول المجلس بمبلغ قياسي يصل إلى 100 مليار دولار هذا العام.

وفي الوقت الذي تشدد الحكومات قيود الإنفاق، اكتسبت النزعة الوطنية في المجال الاقتصادي زخماً في بعض الدول، إذ تحركت الحكومات لحماية وظائف المواطنين وأجورهم وسط مخاوف من أن تفضي تدابير التقشف إلى اضطرابات سياسية.

وتحاول الكويت سن قوانين لتقليل عدد العاملين المقيمين، وأمرت سلطنة عمان شركات الدولة بإحلال المواطنين محل العاملين الوافدين، واستغنت شركتا الطاقة العملاقتان أرامكو السعودية وقطر للبترول عن أعداد من العاملين، معظمهم وافدون، لتقليل التكاليف.  (وكالات)

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking