البابا فرنسيس متحدثاً وقربه كاهن لبناني يدرس في روما حاملاً علم لبنان  (أ.ف.ب)

البابا فرنسيس متحدثاً وقربه كاهن لبناني يدرس في روما حاملاً علم لبنان (أ.ف.ب)

بيروت - أنديرا مطر - 

غادر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لبنان بعد زيارة مكثفة «لم يلتقط فيها أنفاسه» وفق تعبير دبلوماسي لبناني، تاركا تساؤلات حول امكانية نجاح الاندفاعة الفرنسية على انقاذ النظام اللبناني من ازماته الاقتصادية والسياسية، ومدى قدرتها على استقطاب الدعم الدولي والعربي، والذي سيتبين من خلال تشكيلة الحكومة الجديدة التي انطلقت المشاورات بشأنها أمس.

أمهل ماكرون الطبقة السياسية ثلاثة أشهر لتنفيذ ما تم التوافق عليه. وبدا واضحا من مؤتمره الصحافي الذي فند فيه مندرجات المبادرة الفرنسية ان التسوية قائمة بشكل أساسي على تشكيل الحكومة وإنجاز الإصلاحات المتعلقة بالشق الاقتصادي والمالي فيما تركت المسائل السياسية والاستراتيجية الخلافية كموضوع الحياد وسلاح حزب الله والانتخابات النيابية المبكرة إلى مرحلة لاحقة.

وبحسب المراقبين، فإن ماكرون تجنّب التطرق الى هذه المسائل باعتبارها غير متوافقة مع نظرة الاميركيين الذين يعتبرون أن كل اصلاح يجب ان يمر حتما بتطبيق القرارات الدولية، خصوصاً القرارين 1559 و1701، وهما يتعلّقان بشكل مباشر بحزب الله وسلاحه. وهم ماضون في معركتهم ضد حزب الله وفق خط تصاعدي، في حين ان الرؤية الفرنسية تفصل بين صيغة حزب الله السياسية وجناحه العسكري، حتى ان ماكرون وصفه بالحزب الأقوى شعبياً وتنظيمياً، مشيرا الى أن لديه مقومات تخوله العمل بجدية أكثر من كل القوى الأخرى.

صرخة شنكر

في الغضون، استبق مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر مجيئه إلى لبنان بتصريح اعلامي اعتبر فيه أن كارثة مرفأ بيروت هي نتاج عقود من إهمال الحكومات اللبنانية مصالح الشعب اللبناني، وأنها بمنزلة صرخة يقظة تتطلب تغييراً جدياً. وقال إن على الحكومة اللبنانية أن تؤمن بالإصلاح، هناك حاجة لحكومة تهتم بشعبها وطلباتهم، حكومة مسؤولة وشفافة وتقوم بإصلاحات اقتصادية وسياسية، ولن يكون بعد اليوم «عملا كالمعتاد».

مغالاة بالتوقعات

في رده على سؤال لـ القبس، عما اذا كانت المبادرة الفرنسية تحظى بمواكبة أميركية وبفترة سماح تفرمل انزلاق لبنان ريثما تنضج ظروف التسوية الأميركية الإيرانية؟ قال الاعلامي اللبناني الفرنسي الدكتور سامي كليب: «لا شك ان زيارة ماكرون ساهمت في تسليط الضوء على كوارث لبنان، وشجعت المجتمع الدولي والدول العربية على المساعدة، رغم ان هذه الدول وبينها الكويت كانت سبّاقة الى نصرة اللبنانيين لبلسمة جراح تفجير مرفأ بيروت الغامض. لكن ثمة مغالاة في توقع نتائج سحرية لمشاكل مستعصية منذ عقود».

ولفت كليب الى ان ماكرون تصرف بعقلانية كبيرة، وتفاهم مع الطبقة السياسية التي قامت ضدها انتفاضات شعبية عديدة، لكنه وضع الجميع امام مسؤولياتهم، تارة بالتهديد بمنع وصول أي مساعدات دولية وبانهيار لبنان ما لم يتم تطبيق إصلاحات سريعة وتشكيل حكومة جديدة، وتارة أخرى عبر العقوبات التي يُمكن ان تفرض على مسؤولين لبنانيين بالتعاون بين باريس وواشنطن.

الرئيس الفرنسي نجح في دفع الطبقة السياسية إلى تكليف الدبلوماسي مصطفى أديب برئاسة الحكومة، وبانتزاع وعود بتسهيل مهمته والشروع فورا بالإصلاحات التي تفتح أبواب صندوق النقد الدولي والصناديق الأخرى للمساعدات.

أفخاخ المبادرة

ولكن في مقابل هذا النجاح، يرى كليب أن ماكرون جاء حاملا ايضا قنابل متفجرة قد تطيح كل مبادرته، فهو ومن خلال تقاربه مع حزب الله وعد الاميركيين بتليين موقف الحزب وتخفيف حضوره المباشر بالسياسة والحكومة، وهذا يعني ان الأميركي المنكفئ حاليا بسبب الانتخابات وجائحة كورونا لن يقبل الاستمرار بدعم الرئيس الفرنسي اذا تبين ان الحوار مع الحزب قد زاد من حضوره ودوره وقوته.

ثانيا، جاء ماكرون بهدف تطويق الدور الإيراني وقال صراحة انه يريد فصل لبنان عن توترات المنطقة وكذلك العراق، وأشار بالاسم الى ايران. هذا ايضا سيكون عامل تفجير في حال ذهب بعيدا بهذا الاتجاه، لان حلفاء ايران في لبنان يستطيعون تعطيل مهمته. اما لو تقارب مع ايران كما يفعل حاليا، فهو سيثير اميركا وإسرائيل ودول الخليج التي ستسعى الى عدم التعاون وافشال مهمته.

اما الفخ الثالث، فهو حديث ماكرون الصريح عن ضرورة مواجهة تركيا والتمدد الروسي، ونعرف ان للطرفين في لبنان حلفاء يستطيعون افتعال مشاكل تعيق عمل ماكرون. لذلك فان نجاح او فشل مبادرته يبقى رهنا بمدى تعاونه مع اميركا ومدى الدعم الأميركي والخليجي والمصري لهذه المبادرة.

وكان واضحا من كلام المبعوث الأميركي ديفيد شنكر ان اميركا لا تزال تعتبر حزب الله مشكلة امام الإصلاح، وتريد الدفع باتجاه نتائج سريعة للتحقيق بتفجير المرفأ بغية تسليط سهام الاتهام على الحزب والعهد على اعتبار انهما كان يعرفان تماما بوجود وخطر نيترات الأمونيوم. يبقى السؤال، هل ما يفعله ماكرون يناقض خطوات اميركا لتطويق الحزب وايران وزيادة العقوبات والضغوط، ام ان ثمة خيوطا بدأت تُنسج تحت الطاولات بين طهران والجانب الأميركي، على أمل الحصول على صفقة مع ترامب او مع منافسه؟ ربما هذا ما علينا معرفته الان لنفهم اكثر هامش حرية ماكرون في حركة يراد منها تعويم الدور الفرنسي على اطلال دور أميركي منكفئ حاليا.

مشاورات التأليف

وكما استعمل ماكرون سلاح العقوبات للاتفاق على رئيس للحكومة، عاد إلى التلويح بهذا السلاح، ممهلاً المسؤولين اللبنانيين ثلاثة أشهر لتحقيق التغيير الفعلي، «وإلا ستفرض عليهم العقوبات». ماكرون دعا الى تشكيل سريع لحكومة لا تتعدى 20 وزيراً، ولا تقل عن 14 وزيراً، جميعهم من خامات اختصاصية مالية واقتصادية، في قطاعات متعددة، ولديهم تجارب خارج لبنان. وعلى وقع الضغوط الفرنسية، اجرى رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب أمس مشاورات غير ملزمة مع الكتل النيابية، واستمع الى وجهات نظرهم بخصوص شكل الحكومة وبيانها الوزاري. وأعلنت العديد من الأحزاب والكتل أنها مع تشكيل حكومة من الاختصاصيين تسرع في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، مترفعة عن المطالبة بأي حقائب كما كان يجري سابقاً. وفي ختام الاستشارات، أعلن أديب أن «الحكومة يجب أن تكون من اختصاصيين، وتعمل على استعادة ثقة الداخل والخارج».

البابا: لبنان يواجه «خطراً شديداً» ويجب عدم تركه

اعتبر البابا فرنسيس أن لبنان يواجه «خطراً شديداً»، مضيفاً أنه لا يمكن ترك هذا البلد «في عزلته»، ودعا المؤمنين في أنحاء العالم إلى «يوم عالمي للصلاة والصوم من أجل لبنان غداً الجمعة 4 سبتمبر». وقال إنه ينوي إرسال ممثل له إلى لبنان في ذلك اليوم هو أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين.

وقال البابا في نداء وجهه إلى الشعب اللبناني «إزاء المآسي المتكررة التي يعرفها جميع سكان هذه الأرض، ندرك الخطر الشديد الذي يهدد وجود هذا البلد. لا يمكننا أن نترك لبنان في عزلته».

وتابع الحبر الأعظم «لبنان يمثل شيئاً أكثر من دولة: لبنان هو رسالة حرية، وهو مثال على التعددية بين الشرق والغرب، ومن أجل خير لبنان، وإنما من أجل خير العالم أيضاً، لا يمكننا أن نسمح بضياع هذا التراث». وطلب البابا فرنسيس من «السياسيين والقادة الدينيين أن يلتزموا بصدق وشفافية في أعمال إعادة الإعمار، والتخلي عن المصالح الحزبية، والنظر إلى الخير العام ومستقبل الأمة».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking