كيف نحمي كوكبنا.. بعد وباء كورونا؟

د. بلقيس دنيازاد عياشي -

يبدو أن وباء كورونا يحمل في طياته العديد من المفاجآت، فكما أثر هذا الأخير على حياتنا اليومية سلباً، ها هو يؤثر على النظام البيئي إيجاباً، إذ يعد وباء كورونا أزمة صحية عالمية، لكنه أيضًا جزء من الأزمة البيئية المستمرة التي يواجهها العالم، حيث استطاع أن يظهر وبوضوح مدى ارتباط اقتصادنا وأنماط حياتنا بشكل وثيق بالصحة العامة لكوكبنا، وفي غضون أشهر قليلة استطاعت جائحة كوفيد-19 إعادة تشكيل العالم، وهي مستمرة في التأثير على طريقة عيشنا في العديد من المجالات؛ كالاقتصاد، الحياة الشخصية والبيئة.

وفي الوقت الذي تسعى فيه حكومات العالم للتفكير في التعافي، وإمكانية إيجاد لقاح ضد الوباء نجد أن قادة الأعمال يعملون على وضع رهانات آمنة على استراتيجية بيئية مدروسة جيدًا، ومن الواضح أنها ستكون أقوى مما كانت عليه من قبل.

وفي هذا السياق تقول سوزان ديبيانكا كبيرة المسؤولين في Salesforce -وهي شركة برمجيات سحابية أمريكية مقرها في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا - «نحن نواجه تحديات عديدة الآن، ولكن بغض النظر عما يحدث في العالم، فإن أزمة المناخ هنا حقيقية، وهذا هو الوقت الذي نحتاج فيه إلى التفكير في كيفية الاستمرار في إعطاء الأولوية للاستدامة طوال هذا الوقت وفي المستقبل».

تنفس الكوكب

لقد عطل فيروس كوفيد-19 بالفعل الطريقة التي تعمل بها العديد من الشركات في جميع أنحاء العالم، واضطرت القوى العاملة إلى العمل عن بُعد، وأغلقت المكاتب وأوقف التنقل مؤقتًا، إذ أثبتت هذه التحولات فعاليتها في إبطاء انتشار الفيروس، لكن لها أيضًا تأثير آخر وهو إعطاء الكوكب متنفس، فعندما ارتفعت أعداد الحالات وسنت البلدان أوامر البقاء في المنزل أو المأوى في المكان، انخفضت مستويات التلوث والانبعاثات بشكل كبير.

تشير تقارير من صحيفة «فوربس» الاقتصادية أن بيانات الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار عن بعد، أظهرت اختفاء انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتلوث الهواء والازدحام في الأماكن التي انتشر فيها فيروس كورونا لا سيما في المدن، كما شهدت الأماكن التي يُطلب فيها من الناس البقاء في منزلهم وعدم المغادرة إلا في حالة الضرورة القصوى، تراجعا للبيانات المتعلقة بالتلوث والانبعاثات المتعلقة بالنقل «والتي تمثل عادةً حوالي 14% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري».

نظرة مستدامة

يحتاج القادة إلى التفكير بشكل استباقي في كل شيء، بدءًا من تطبيق العمل عن بُعد، إلى تحفيز النقل الأخضر، إضافة إلى الاستثمار في ممارسات المصادر المستدامة وسلسلة التوريد، كما لا ننسى تمويل جهود استعادة البيئة، حيث ترتبط صحة الكوكب ارتباطًا وثيقًا بصحة ورفاهية الأفراد والشركات في جميع أنحاء العالم.

نمت الاستدامة فقط بشكل مُلح في السنوات العديدة الماضية، حيث وجدت دراسة أجرتها شركة Deloitte -وهي أكبر شركة خدمات مهنية في العالم وواحدة من الشركات الأربع الكبار في هذا المجال- لعام 2019 أن أكثر من 63% من الشركات التي شملها الاستطلاع لديها أهداف رسمية للموارد والاستدامة، وفي أعقاب كوفيد-19 سيتعين على الشركات والمسؤولين المنتخبين على حد سواء التعجيل لمواجهة العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية.

وقد أكدت مديرة برنامج الأمم المتحدة للبيئة، إنغر أندرسن، وهي تعتبر خبيرة اقتصادية وبيئية دنماركية- أن الطلب على القيادة بشأن الاستدامة البيئية سيزداد، إذ غيّر النشاط البشري بالفعل حوالي 75% من سطح الأرض، وبذلك سيزيد تعرضنا للأمراض التي تنقلها الحيوانات مثل فيروس كورونا، ناهيك عن الآثار المدمرة لتغير المناخ.

ما الحل؟

يقول المحلل، نيل ميريك، وهو الرئيس العالمي لمؤسسة تابلو المتخصصة في التحليلات البيانية: «لقد حان الوقت لاستعادة غاباتنا، ووقف إزالة الغابات، والاستثمار في إدارة المناطق المحمية، ودفع الأسواق للحصول على منتجات طبيعية، نحتاج إلى القيام بعمل أفضل لتحسين ظروف النظافة، وبالطبع هناك حاجة ملحة للتصدي للاتجار غير المشروع بالأحياء البرية، وهو رابع أكثر الجرائم شيوعًا التي تُرتكب في جميع أنحاء العالم».

ويؤكد نيل ميريك، أنه يجب أن يوجه هذا الارتباط بين صحة الكوكب وصحة الإنسان الطريقة التي يتخذ بها القادة في جميع أنحاء العالم قراراتهم للمضي قدمًا بعد مرور الوباء الحالي، ومع بدء محركات النمو في الانتعاش مرة أخرى، ويقول: «نحتاج إلى أن نرى كيف يمكن للإدارة الحكيمة للطبيعة أن تكون جزءًا من هذا الاقتصاد المختلف الذي يجب أن يظهر، حيث يعمل التمويل والإجراءات على تعزيز الوظائف الخضراء والنمو الأخضر وطريقة حياة مختلفة، لأن صحة الناس وصحة الكوكب هما نفس الشيء، ويمكن لكليهما الازدهار على قدم المساواة».

ويتابع قائلاً: «أظهر لنا كوفيد-19 مدى تأثير أفعالنا كأفراد وشركات ومجتمعات، على الكوكب بشكل يومي، كما قد تبين أيضًا أنه ما لم نتحرك الآن، فإننا نخاطر بتعريض أنفسنا لمزيد من التهديدات في المستقبل، فلدى قادة الأعمال الآن فرصة لدمج هذه الدروس والعمل معًا لسن استراتيجيات، ضمن عملياتهم الخاصة وبالتنسيق مع الحكومات والمنظمات غير الربحية وبعضهم البعض، لضمان خروجنا من هذه الأزمة بخطة للاستدامة».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking