آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

125337

إصابة مؤكدة

773

وفيات

116202

شفاء تام

المحامي عبدالمحسن محمد الشاهين

المحامي عبدالمحسن محمد الشاهين

تجتاحُ الكويت اليوم عاصفةٌ من الأخبار والتعليقات والحوارات والتحليلات حول الوقائع التي يُشتَبَهُ بأنَّها تحتوي على جريمة غسل الأموال، وهي ما أصبحت حالياً تُسمَّى: أموال «الفاشينستات» أو مشاهير «السوشيال ميديا». الواقع أنَّ جريمة غسل الأموال هي ببساطة إعطاءُ مصدرٍ مشروعٍ لأموال غير مشروعة؛ أي انَّها تعني منح شهادة مصدرٍ مشروعٍ للأموال الآتية من الجرائم بمختلف أنواعها.

كانت الصورة التقليدية لغسل الأموال تتمثَّل في القيام بالتحويلات المصرفية بشكلٍ مُكثَّفٍ حتى يَصعب اكتشاف مصدر الأموال. لكن اليوم لم يعد تنفيذ غسل الأموال بهذه الصعوبة في عصر التكنولوجيا الرقمية التي سهَّلت تحويل الأموال وأدَّت إلى إيجاد خدماتٍ افتراضيةٍ ذات أتعابٍ مُبالغٍ فيها.

وبشكل عام، تكون البيئة التشريعية المالية والضريبية الضعيفة هي البيئة الخصبة لجريمة غسل الأموال، كما يُساهم عدم وجود ضريبة على الدخل الشخصي في تسهيل تنفيذ الجريمة؛ لأنَّ عدم متابعة الدخل وإخضاعه للضريبة سيؤدِّي بالضرورة إلى عدم متابعة الأموال وضعف الرقابة على مصدرها، وعدم ملاحظة تضخُّم حسابات بعض الأشخاص من دون مصدر دخلٍ واضحٍ أو مع مصدر دخلٍ لا يُكافِئ حجم الأموال المُودَعَة في الحساب.

أركان الجريمة

تنشأ جريمة غسل الأموال بعد قيام ركنيها المادي والمعنوي كالتالي (م/‏2 قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، رقم 106، لعام 2013):

• الركن المادي: وهو يتمثَّل في العملية التي أدَّت بالنتيجة إلى منح الأموال مصدراً مشروعاً، مثل:

مجرمٌ يحصل على أموالٍ من تجارة المخدرات أو الرشوة وخلافه، يَمنحُ هذه الأموال لغاسل الأموال حتى يشتري بها عقاراتٍ وسياراتٍ وحُلِيّاً باهظة الثمن، ثم يقوم الغاسل ببيع هذه الأشياء الثمينة، فيُودِعُ ثمنها في حسابه بالبنك على أنَّ المصدر المشروع للأموال المودعة هو ثمن تلك الأشياء الثمينة («إخفاء الملكية» م/‏2-ب).

مجرمٌ يأمر الغاسل بأن يشتري بالأموال غير المشروعة عقاراً كبيراً باهظ الثمن، لكن من دون أن يأمره ببيع هذا العقار، بل يأمره بحيازته والتظاهر بأنَّه مالك العقار حتى يمرَّ زمنٌ كافٍ على نسيان الجريمة التي جاءت بهذه الأموال أو تمرَّ مدة التقادم عليها، ولهذا اعتبر المشرع الكويتي غسل الأموال مجرَّد: «اكتساب الأموال أو حيازتها أو استخدامها» وهو يعلم بأنَّها مُتحَصِّلةٌ من جريمة («الاكتساب أو الحيازة أو الاستخدام» م/‏2-ج). في الحالتَيْن السابقتَيْن لا يظهر المجرم في الصورة، بل يظهر الغاسل على أنَّه هو صاحب الأشياء والأموال، ويكون هذا الغاسل مُجرَّد واجهةٍ للمجرم (المستفيد الفعلي) الذي يستطيع أن يأمر الغاسل بتحويل الأموال إليه بناءً على تعاملٍ تجاريٍّ صوريٍّ؛ يأخذ شكل طلب خدمة من شركةٍ وهميةٍ مثلاً، وهكذا تكتمل عملية غسل الأموال.

3 ـ مجرمٌ يحصل على الأموال غير المشروعة، ثم يَفتتحُ محلّاً للتحف أو يجري مزاداً للساعات كما هو حاصل، ويشتري مجموعةً من التحف او الساعات ذات القيم البسيطة، ثم يُعطي الأموال غير المشروعة للغاسل، ويأمره بأن يأتي محل التحف أو أن يشترك في المزاد ويشتري اللوحة او الساعة في مقابلٍ خياليٍّ، وهكذا ترجع الأموال للمجرم على أنَّها ثمن التحفة أو الساعة («إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع» م/‏2-أ).

خدمات بسيطة بأموال باهظة

وفي عصر التواصل الاجتماعي الالكتروني، يمكن أن يُقدِّم المجرم خدماتٍ بسيطةٍ على مواقع التواصل مثل الإعجاب وإعادة التغريد أو جلب متابعين لحسابٍ معيَّنٍ او إعلانات ذلك في مقابل أموالٍ باهظةٍ. فهنا، قد يكون مصدر هذه الأموال في الحقيقة جريمة ارتكبها الشخص الذي يُقدِّم الخدمة واستعادها على شكل أتعاب الخدمة، أو أن يكون المجرم شخصاً آخر قد وظَّف صاحب موقع الخدمات الالكترونية حتى يستلم الأموال على شكل أموالٍ ذات مصدرٍ مشروعٍ يُمكنهُ إيداعها في البنوك.

• الركن المعنوي: يجب أن يكون الشخص المُشتَرِك في عملية غسل الأموال مُتَعَمِّدَاً المساهمة في إفلات المجرم من العقوبة ومساعدته باستغلال ثمار جريمته، أي يجب أن يعلم الغاسل بأنَّه يقوم بمنح الأموال غير المشروعة مصدراً مشروعاً، وبالتالي يكون الغاسل عالماً بأنَّه يقوم بإكمال آخر مراحل الجريمة قبل أن يحصل المجرم على الأموال دون محاسبةٍ.

عندما يشترك بعض الأشخاص في جريمة غسل الأموال يعتقدون أنَّ المسألة بسيطة وغير مؤثرة، كما أنَّها صعبة الاكتشاف والملاحقة، في الوقت الذي يؤدِّي عملهم هذا إلى الإضرار بسمعة الدولة، وتدمير اقتصادها، ودعم عصابات الجرائم.

هذا الأثر الخطير لجريمة غسل الأموال جعل المشرع الكويتي يقرُّ عقوبةً قد تصل إلى 10 سنوات وغرامة لا تقلّ عن نصف قيمة الأموال محل الجريمة ولا تجاوز كامل قيمتها (م/‏28)، فلا يجوز الاكتفاء بالغرامة.

حالات تشدد فيها العقوبة

وتُشدَّد هذه العقوبات لمدة لا تجاوز 20 سنة وبضعف الغرامة، في حالة تَحقُّق أحد الظروف التالية (م/‏30):

- إذا ارتكبت الجريمة من خلال جماعةٍ إجراميةٍ مُنظَّمةٍ أو مُنظَّمةٍ إرهابيةٍ.

- إذا ارتكبها الجاني مستغلا سلطة وظيفته أو نفوذها.

- إذا ارتكبت الجريمة من خلال الأندية وجمعيات النفع العام والمَبَرَّات الخيرية.

- إذا عاد الجاني إلى ارتكاب الجريمة.

وفي الواقع، يبقى إثبات جريمة غسل الأموال أمراً ليس بالسهل؛ لأنَّه مُرتبط بإثبات قيام الغاسل بالمشاركة عَمْدَاً - كما اشترط المشرع (م/‏2) - في عملياتٍ يوميةٍ قد تكون بسيطة، كما أنَّ الغاسل قد يُحضِّرُ تفسيراتٍ قانونيةٍ ومنطقيةٍ لسبب تضخُّم حساباته البنكية مثل ظروف التجارة الالكترونية أو اشتداد الطلب على سوق الموضة وغيرها؛ الأمر الذي سيُصَعِّبُ من مهمَّة النيابة العامة الكويتية في إثبات الجريمة من جهة، وسيجعل من ملاحقة المجرم الأصلي عن جريمته أمراً في غاية الصعوبة رغم اكتشاف خيطٍ واضحٍ للجريمة من جهة أخرى.

المحامي عبدالمحسن محمد الشاهين


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking