آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

103199

إصابة مؤكدة

597

وفيات

94211

شفاء تام

أبدأ بالتعبير عن امتناني لأهل الكويت قاطبة ومن خارجها في الخليج، حيث وجدتهم شركاء الأحزان التي مررنا بها في وفاة المغفور له النوخذة الفذ عيسى بشارة، وشقيقتي فاطمة التي لحقت به بعد يومين، كانت شراكة الأحزان عاملاً في التخفيف من أثقالها، وأشيد بعمق التآخي والتآلف في مجتمعنا الذي ينبع من تراث اعتاد على الهمة الجماعية عند الأزمات.

كنا في البيت القريب من متحف ديكسون، ثماني سيدات وذكران، أنا وابن أخي المرحوم أحمد بشارة، ترعانا المرحومة والدتي، التي تحتفظ بالمصاريف طوال غياب والدي النوخذة يعقوب وشقيقي النوخذة عيسى.

كان الوالد أقل غياباً من شقيقي، الذي استولى عليه البحر، فينزل في آخر أغسطس ويعود في آخر أسبوع من يونيو، عشرة أشهر، متنقلاً بين البصرة إلى الهند عابراً المحيط الهندي، إلى أفريقيا، عائداً عبر بحر العرب متوقفاً في مسقط، كان هذا ترتيباً دائماً.

كان أخي مسحوراً بالبحر، يتضايق خلال وجوده على اليابسة، فيقضي الوقت يتسلى في عناية السفينة وتجديد شبابها، وفي توزيع حسابات البحارة، وفي البحث عن بحارة جدد عوضاً عن المتقاعدين.

كانت حياتنا خريطة لنظام الأسرة الكويتية البحرية، حيث سيدة تدير، ورجال يسعون، وصغار ينتظرون، هذا المشهد الحقيقي جاء من منظومة اجتماعية وتجارية متشابكة، شطارة تجار، وشجاعة نواخذة، وفدائية بحارة، وصبر نساء، وحيرة أطفال، وإيمان بالله في عطاء يؤمن المعيشة.

استمررنا على هذا المنوال، تقاعد والدي، واحتار في حياته، فقد هيبة النوخذة، وكره سوالف اليابسة، فثرثرة اليابسة لا تناسب مزاج النواخذة، وهي كلمة تعني الإله الصغير، وفعلا النوخذة رمز السطوة والطاعة من البحارة من أجل الحياة.

ففي البحر لا مكان للارتخاء، استقر والدي في دمشق، وبقينا وحدنا، وشقيقي النوخذة يتجلى في البحر مع الأمواج والأعاصير والمياه المالحة، تأتي برقية لاسلكية ربما كل شهر بوصوله إلى البندر، والبحر لا يحب من يخاف، فراح إلى أبعد مدى في المغامرة داخل أنهار أفريقيا، يقود «فتح الخير» معتمداً على موهبته البحرية، مستسلماً لإرادة الله، فلم يكن من الذين يستهويهم الطرب والنهمة واليامال، يبقى معه القادرون فقط، ولهذا احتفظ بعدد كبير من مساعديه سكونية ومجدمي وبحارة، وأعفى آخرين، فمقياسه القدرة والهمة، وقاعدته المشاركة، يصدر التعليمات ويشارك في تنفيذها، ولهذا السبب ألقى به الشراع عام 1945 في البحر، ظل يسبح ثماني ساعات ليلاً، البحارة يبحثون عنه، وكانت معجزة إلهية أن يجدوه، وأعتقد بأن هذه الواقعة زادت من صلابته ومن تلازمه مع البحر، فعندما جاء النفط ظل وفياً للبحر لصيقاً به، بحث عن مساعدين في الباطنة في عمان، وفي الشارقة ورأس الخيمة لينضموا إليه في رحلاته، وكوّن معهم علاقات لم تتوقف، وظل أولادهم في اتصال معنا، شاركهم في التجارة، في مسقط والإمارات، وما زلنا على علاقة مع الأبناء.

لم يبق أحد في البحر من زملائه النواخذة، فالجميع اختار اليابسة، لكنه أصر واشترى سفينة وضع عليها ماكينة للتجارة مع الهند، ويأخذ معه من تبقى من بحارة فتح الخير، ويتعرض إلى تفتيش أظهر ما كان مختبئاً في جسم السفينة، فتمت مصادرة كل شيء يملكه، وظل ممنوعاً من العودة حتى تمكن من الخروج بجواز سفر مزور، عائداً للكويت، مودعاً بالدموع والأسى، البحر الذي عاش فيه وتناغم معه وعانى من قسوته.

فالبحر رسم حياته وطلاها بألوان معظمها مثير، وبعضها خطير، أعطاه الله موهبة رصدها آخرون.

هذه رواية موثقة عن تفوقه رغم صغر سنه، وصل إلى الكويت نوخذة مهري من ساحل المهرة، وطلب من صديق كويتي له أن يبعث معه نوخذة كويتي لكي يرشده إلى مدخل شط العرب، فاختار هذا الكويتي البحري واسمه عبدالعزيز حرب، وهو قريب الشاعر الكويتي زيد الحرب، اختار صبياً لم يتعد العشرين من العمر، ولكن النوخذة المهري حين نظر إلى ذلك الصبي وهو النوخذة عيسى بشارة، دخله الشك في مقدرة هذا الصبي على قيادة ذلك السنبوك الضخم إلى شط العرب، فرد عليه النوخذة عبدالعزيز الحرب «إذا لحم فيكم كطوه بحر»، أي «إذا أحدث هذا الصبي أي ضرر فأرموه بحراً»، كان واثقاً من هذا الصبي وكان يعرف أقرانه من الرجال ويثمن قدرتهم، هذه وثيقة أرسلها إليّ مشكوراً الشيخ محمد صباح السالم..

كان النوخذة عيسى موضع ثقة، كسب ثقة التجار وأبرزهم المرحوم محمد ثنيان الغانم، الذي اعتبره ابناً له ومشرفاً على تجارته البحرية وتواصل معه إلى وفاته، ومع البحارة يتقبلون توزيعاته السنوية وكانت دائماً الأفضل..

وبقي على اليابسة متنقلاً يبحث عن مشاهدات جديدة، ففي حوالي السبعين من عمره يأخذ معه صديقاً له سيارة ليرتحل من القاهرة إلى الجزائر، وترفض شرطة الجزائر دخوله من دون فيزا، ويعود بالقطار في رحلة لا تتوافر فيها الراحة، وفيها الكثير من الكسافة، لكنه النوخدة الباحث عن المعرفة والمغامرة.

كان أخي قليل الكلام هادئاً، لا تثيره مباهج الحياة، يفضل البساطة ولا يعبأ بالشكليات والمظاهر، لكن عندما يأتي ذكر البحر، يخرج فيضان المعرفة وتفاصيلها عن جزر الخليج، وأنهار شرق أفريقيا، ومواقعها، وجغرافيا عدن وبومباي، ويروي أحداثاً تشد في تفاصيلها وغريبة في مغامراتها..

ظل في آخر سنواته حبيس المنزل، أحياناً يخرج بالسيارة ليشاهد البحر، سوق شرق، وأحياناً يذهب ليتحاور بصمت مع بوم «فتح الخير» في السالمية، سابحاً في أشواق الذكريات.

رصد المرحوم الشيخ جابر الأحمد صدقه وارتاح لأحاديثه، وكان في انتظاره عندما زار الشيخ جابر بوم فتح الخير، ليعطيه التفاصيل.

آخر اسبوعين من حياته، كان يعاني من الأنفلونزا ولم يكن في مزاج للرد عليّ في آخر لقاء.

يظل النوخذة عيسى بشارة مرجعية بحرية تاريخية عن السفن وأسماء النواخذة، وتقويمهم، عارفاً بالتيارات ومواسمها، والفصول المناسبة للإبحار، وأنواع التمور، وشهد الكثير من الوقائع في تعامله مع المسؤولين في الهند وأفريقيا، ومدن الخليج، كان يدون كل شيء يكتب يوميات ويحفظ الشعر ولديه قصائد لها ذكريات، وفوق ذلك كان وطنياً كويتياً صلباً لا يحب التطاول على المقامات، لا تغريه المادة ولا يبحث عن جاه.

لم تكن دموعه سهلة الانفجار، شاهدته في المنزل يبكي بحرقة على ولده الدكتور أحمد بشارة، الذي توفي في الوقت الذي توهجت حياته نحو مستقبل واعد، فكانت ضربة أحزان موجعة، أثرت عليه حتى مماته.

بإيجاز كان رجل بحر، مسكنه أعلى الأمواج، متآلفاً مع العواصف، يقظاً من خداعها، ومدركاً لتقلباتها، أعطى التراث الكويتي البحري طعماً برواياته الهادئة في التلفزيون، وتمتع في يقين الناس بمصداقيته، وانتقل إلى العالم الآخر، تاركاً دنيا البحر صامتة بعد أن غاب من كان يملؤها حيوية وإحساساً، رحم الله النوخذة عيسى بشارة، وأسكنه واسع جناته.. وكل من عليها فان..


عبدالله بشارة

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking