آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

105676

إصابة مؤكدة

612

وفيات

97197

شفاء تام

في ظل انشغال الكويت في مواجهة فيروس كورونا في الفترة الماضية، طفت على المشهد جرائم عدة من العيار الثقيل متعلّقة بالفساد وغسل الأموال، من بينها قضية النائب البنغالي، والصندوق الماليزي السيادي، وغسل أموال مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكة مافيا الشهادات المزورة. وهذه كلها قضايا وجرائم قذرة تصب كلها في مستنقع إجرامي بشع هو «غسل الأموال»، تلك الجريمة التي أمست غولا متوحشا يُقض مضاجع المسؤولين في العالم، وباتت - بتعقيداتها وتطوراتها وتشعُّبها - تجتاح العالم بأَسره، تهدد اقتصاداته بالانهيار وتتوعد دوله نفسها بالضعف والخمول، وهو الأمر الذي استنهض دول العالم لمكافحته. فغسل الأموال هو محصلة طيف واسع من الجرائم المنظمة، ما بين اتِّجارٍ بالمخدرات والسلاح والبغاء، وتزييف العملة والوثائق، والتهرب الضريبي، والتجسس، والفساد السياسي والرشوة والاختلاس والإرهاب. ولا ريب أن الأموال الطائلة التي تدرها كل هذه الجرائم، والتي تُقدَّر بقرابة 1.5 تريليون دولار على مستوى العالم، تُوقع أصحابها في سُعار البحث الدائم عن تدابير لتخبئتها عن عيني العدالة، والمؤكد أن النجاح في إضفاء المشروعية على هذه الأموال الفاسدة، ودمجها في الاقتصاد الوطني إنما يُلقي بظلاله القاتمة على الدولة والمجتمع والاقتصاد في وقت معا؛ فهو لا يقوض الاقتصاد ويفسد الأسواق فحسب، بل ويضعف سلطات الدولة ويهدر مكانتها، ويزعزع الاستقرار والثقة بين شرائحها الاجتماعية أيضا، فتغدو الدولة بيئةً طاردة للاستثمار.

وإذا كان العالم هبَّ لمواجهة الآثار المدمرة لغسل الأموال، فإن الكويت لم تتقاعس عن مسؤوليتها في ذلك، فتكاتفت مع الدول الأخرى ووقعت العديد من الاتفاقيات لمكافحة هذه الجريمة المتغولة، ومن أبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية «فيينا 1988»؛ لمكافحة غسل الاموال، وإعلان لجنة بازل (1988) لحظر استخدام النظام المصرفي لغسل الأموال، وإعلان لجنة «مجموعة العمل المالي»FATF لتطوير سياسات مكافحة غسل الأموال، والحضّ على التعاون بين الهيئات الدولية المعنية لتحقيق هذا الهدف. وقد بلغ أعضاء هذه اللجنة 29 دولة، بالإضافة إلى هيئتين دوليتين الأولى الاتحاد الأوروبي والأخرى مجلس التعاون الخليجي، الذي تتمتع دولة الكويت بعضويته. ومن أبرز الاتفاقيات اتفاقيةُ الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (2003) التي تدعم التدابير لمكافحة جرائم غسل الأموال، وتسهيل التعاون الدولي وتوحيد الجهود لمقاومة الفساد.

وهناك ثلاثة عناصر أساسية تستوجب المراقبة والملاحقة، هي تُشكِّل مثلث غسل الأموال، وأولها الشخصُ أو المؤسسة الحائزة لأموال فاسدة، والثاني هو المصرف أو الجهة التي تتواطأ مع الأول، وتساعده على إخفاء المصدر الإجرامي لأمواله. وأما الضلع الثالث، فهو الأموال الفاسدة الناتجة من أنشطة غير مشروعة ومجرمة. وتكتمل أضلاع المثلث عندما يتمكن المجرمُ من إخفاء المصدر الفاسد لأمواله المراد غسلُها، ويبدأ العملَ لإدماجها ضِمنَ الاقتصاد المشروع للدولة، وذلك ما يحدث عادةً بواسطة تحريك الأموال في سلسلة متلاحقة من التحويلات، بين المصارف، وبعضها عبر الشبكة العنكبوتية، وكل ذلك بهدف إزالة رائحتها الكريهة (كما يقولون)، حتى يُمسي من العسير الاستدلال على مصادرها الأصلية، وهنا يبدأ صاحب الأموال إنفاقها واستثمارها في أنشطة اقتصادية طبيعية لإضفاء المشروعية عليها، من خلال عقد صفقات نقدية كتلك التي رُصدت في الكويت من شراء سيارات فارهة باهظة الثمن أو قطع فنية نادرة، وهناك من يعمدون إلى تحويل العملة المحلية إلى ذهب أو مجوهرات أو عملات أجنبية، كي يمكن نقلُها إلى الخارج بفواتير مزورة وأسعار صورية تتحايل على القانون.

في هذا السياق، تزداد الحرب ضراوةً بين مرتكبي جرائم غسل الأموال من ناحية، والسلطات المعنية بمكافحتها من ناحية أخرى، فالفريق الأول يواصل محاولاته وابتكاراته الفاسدة للالتفاف على القانون، بينما يتفانى الفريق الآخر في سن القوانين ووضع التدابير وإحداث الوسائل التي تمكن الدول - منفردة ومجتمعة - من الانتصار على غاسلي الأموال ومحاصرتهم... لكن إذا كانت الدول المتقدمة قد حققت انتصارات متعددة في هذه المعركة، فإن الدول النامية لا تزال قاصرة الإمكانات في هذه المواجهة الشرسة، مما يستدعي ضرورة تعزيز التعاون والتنسيق بين المؤسسات المالية والمصرفية والتشريعية والأجهزة الأمنية في كل دول العالم، فقد صار عالمنا متماسكا ومتشابكا بحيث إذا رفرفت فراشة اقتصادية بجناحيها في الصين هبَّ إعصار اقتصادي عارم في البرازيل!!


أ. د. معصومة أحمد إبراهيم

@ProfMasoumah

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking