آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

72400

إصابة مؤكدة

482

وفيات

64028

شفاء تام

جمهورية الخوف تمتد جنوباً

نسيت كيف تواصلت مع الأخ فيصل الخزام - رئيس مجلس إدارة شركة نقل وتجارة المواشي - بداية، لكني أذكر أننا أدينا صلاة الجمعة 10 أغسطس معا في الروضة، واستغربت الحذر المبالغ الذي اتخذه الخطيب عندما جعل خطبته تتمحور حول كيف تنبأ القرآن بمراحل نمو الجنين في رحم المرأة. هذا وأبدى أحد المصلين اعتراضه، متندرا من أن الخطيب لم يتطرق إلى عذاب القبر في خطبته، فعقبت عليه: «لقد أصبحنا في قبر... فكان من الممكن أن يكون الخطيب أقل حذرا بأن يدعو إلى التعاون في الظروف الصعبة».

خلال أيام قليلة، تمكنت ليس بالاتصال بالأقرباء والأصدقاء، وإنما بلقائهم جميعا في منازلهم. فكثير منهم لم يستوعب صدمة الغزو بعد، ولا ألومهم على ذلك، خصوصا أن أغلبهم كانوا من المؤيدين لصدام باعتباره حامي الجبهة الشرقية. فلهؤلاء كانت الصدمة أكبر، حيث إن الكويت كانت داعما رئيسيا لصدام في حربه ضد إيران. فكثير منهم نام الأربعاء «1» أغسطس بطمأنينة، ليستيقظ على صوت الآليات العسكرية العراقية، مارة أو متوقفة بجوار منزله. بعض الأصدقاء والأقرباء لم يخرج بعد من بيته، والحقيقة أن من عزل نفسه شعر بالخوف أكثر، أما بالنسبة لي فدخولي الكويت ومشاهدتي لأرتال من الدبابات والمعدات على الحدود السعودية - الكويتية كسر حاجز الخوف عندي.

إضافة إلى ذلك، فإن صدمتي كانت أقل لتوقعي أن يشن صدام هجوما على الكويت لابتزازها ماليا، كما أني كنت أعرف عن الإرهاب والذل الذي كان يعيش في كنفه العراقيون، فكنت مطلعا من الصحف العالمية على جرائم صدام داخل العراق. ففي حوالي أبريل 1988 نشرت الـ«إيكونومست» البريطانية صورا لرجل كردي وطفلة ماتا من الغازات السامة في حلبجة. وأظهرت الصورة الرجل ضاما إلى صدره الطفلة. كما رأيت الذل الذي كان يعيشه العراقيون من خلال زيارتين لبغداد في النصف الأول من عام 1990. وكنت ألتقي مع المدير العام للمؤسسة العامة للحوم، وكان منصبا مهما، حيث تتحكم المؤسسة بتوفير اللحوم للعراق بما في ذلك الجيش. ولفت نظري أن مكتبه كان «مزينا» بصورة المدير زائحا الستارة عن «جدارية» عند مدخل المؤسسة، فالجدارية التي هي عبارة عن صورة لصدام من السيراميك، يحتفى بوجودها لـ«عبادة» صدام الصنم. وكنت أحيانا التقي بأمل عزيز التي كانت نائبة للمدير العام للمؤسسة العامة للحوم، وأمل عزيز هي شقيقة «المثقف» طارق عزيز وزير خارجية صدام الذي مات بالسجن في 5 يونيو 2015.

لكن الأهم من ذلك كنت مطلعا على تاريخ العراق السياسي، وعزز ذلك أنني كنت في رحلة عمل في لندن في مايو 1990، فأحضرت معي كتاب «جمهورية الخوف» الذي عليه اسم سمير الخليل كاسم مستعار لمؤلفه. وأذكر أني أحضرت معي الكتاب لديوانية يرتادها كويتيون درسوا خارج الكويت، متمكنين من اللغة الإنكليزية، لكن رأى البعض في الكتاب أنه مكتوب من قبل صهاينة يعملون ضد صدام والعراق. وشاءت الأحوال أن أكمل قراءة «جمهورية الخوف» بعد أن امتدت جمهورية الخوف إلى الكويت لنتعرف من خلالها على «بطولات» حامي الجبهة الشرقية عن قرب. ولا بد أن أشير هنا إلى أن الاسم الحقيقي لمؤلف الكتاب هو كنعان مكية، ابن صاحب «مكتب مكية ومشاركوه» الذي صمم مسجد الدولة في الكويت، وحاول كنعان مكية أن يلعب دورا سياسيا بعد سقوط صدام، لكنه اختار العودة إلى الولايات المتحدة والعمل أستاذا في جامعة براندايس في بوسطن. وأذكر أنني أخذت سيارة أجرة بعد عودتي من لندن من مطار الكويت إلى منزلي، وفي الطريق كان معظم حديث السائق عن بطولات صدام، وعن صواريخه التي سيضرب بها إسرائيل. وفعلا ضرب صدام إسرائيل بالصواريخ، لكن أغلب الظن أن ذلك بعد أن هجر هذا السائق منزله ووطنه هربا من اضطهاد صدام.

لم تنته بعد ذكرياتي وتجربتي عن الغزو والاحتلال، لنأخذ فرصة ثم نعود. وسأحاول أن أجيب مستقبلا على تساؤل لماذا لا يمضي التاريخ عندنا؟ ولماذا لا يتحول إلى تاريخ لتطور الوعي كما يقول الفيلسوف هيجل؟ وهل ارتفع وعي شعوب منطقتنا عما كان عليه في سبتمبر 1980 عندما نشبت الحرب العراقية - الإيرانية؟ وهل ارتفع وعينا نحن بالكويت وحولها عما كان عليه في أغسطس 1990؟!

د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking