آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

71713

إصابة مؤكدة

478

وفيات

64028

شفاء تام

الظلام في الظهيرة

مكثنا حوالي الساعة في منزل الرفيقين السعوديين في الوفرة، حيث تناولنا الشاي، ثم توجهنا إلى الكويت. ولا بد أن أشير قبل ذلك إلى أنه بعد أن سمح لنا بالدخول للوفرة، كان دخولنا من خلال خطوط دفاع عراقية تمركزت فيها الدبابات والرادارات بترتيب يوحي وكأن الغزو قد مضى عليه أشهر. بالطبع يرجع هذا إلى أن تجربة الحرب العراقية ـ الإيرانية أعطت القوات العراقية القدرة على نقل دباباتهم ومعداتهم العسكرية بسرعة وكفاءة عاليتين على مدى جبهة طولها أكثر من 1200 كلم. ساعد في ذلك شراء العراق لحوالي ألفين من ناقلات الدبابات من ألمانيا. والمفارقة أن اكثر الاحتمالات انه قد تم شراء ناقلات الدبابات هذه بأموال كويتية وسعودية.

غادرنا الوفرة متوجهين إلى الكويت، وكان قد مضى عليّ يومان من دون نوم. فكنت أصحو لأفتح عيني على الطريق الواحد باتجاهين، وكانت أغلب السيارات المقابلة، سيارات جيب عسكرية عراقية. وأحياناً أتردد بين ما أشاهده أهو حلم أم حقيقة؟ وأحياناً كنت أهرب مما تراه عيناي بتخيل أني ربما كنت في زيارة للعراق، خصوصاً أن طريق الوفرة يشبه من ناحية تدني مستوى صيانته الطريق الذي يربط البصرة بالزبير.

وصلنا إلى منزلي في بيان بعد حوالي تسعين دقيقة من مغادرتنا الوفرة، ولم يرض الرفيقان السعوديان الاستراحة عندي لرغبتهما في الإسراع بالتوجه إلى الفندق الذي يسكن فيه أخو أحدهم مع زوجته ليرجعوا كلهم في اليوم نفسه إلى السعودية. أدخل البيت وأتصل بوالدتي، فترد عليّ الشغالة بأنها عند الجيران، فيسعدني الخبر لدرجة أني وجدت نفسي أذرف دموعاً. فقد شعرت أني حققت أهم هدف لرجوعي. ولم أتوقع أن يتم بهذه السهولة، فلم أحتج أن أمشي بالشمس عشرات الكيلومترات مثلما توقعت أن يتم ذلك وأنا في قبرص. لكني دائماً أتساءل بيني وبين نفسي: ماذا لو لم نتوجه أنا وابن الأخت رياض إلى مخفر الرغوة الواقع غرب الخفجي؟ أو إن كنا قد تأخرنا بالذهاب. فلقائي بهذين السعوديين حدث وكأني كنت على موعد معهما، فقد وصلا إلى المخفر بعد دقائق قليلة من وصولنا إليه. وماذا لو لم يصل ذلك الضابط العراقي إلى نقطة السيطرة الثالثة التي طلب منا الجنود القائمون عليها بالرجوع، ليأمرهم أن يسمحوا لنا بالدخول إلى بلدنا.. لا شك أن ذلك يطرح تساؤلات وجودية وإيمانية. فلماذا وفقني الله بأن يكون رجوعي إلى الكويت بهذه السهولة، بينما اختفى كويتيون قد يكونون أطيب وأرفع أخلاقا مني؟ أم هل نترك ذلك إلى نظرية الاحتمالات، التي ستجيب على التساؤل بمنطقية محيدة التدخل الإلهي؟ ولربما علي أن أراجع ما كتبه آرثر كوستلر في كتابه «جذور الصدقة»، وقد احتاج كذلك إلى الرجوع إلى روايته «الظلام في الظهيرة Darkness at Noon» لأعيد قراءتها متلمساً طريقاً للخروج من الظلام المسدل على منطقتنا، على الرغم من سطوع الشمس.

بعد استراحة قصيرة في منزلي، أتوجه إلى منزل والدتي عبر نقاط سيطرة عراقية، وما كان يلفت النظر شجاعة الأطفال الكويتيين الذين كتبوا على حوائط المدارس منددين بالغزو، وبعضهم كتب «شعارات» لا يسمح بنشرها، لكنها تبقى معبرة عن غضبهم من الغزو. وعندما دخلت منزل والدتي وجدت أن معنوياتها عالية، وقد علقت في الصالة صورتين للأمير ولولي العهد. وبعد أن تطرقنا إلى أكثر المواضيع أهمية عائلية وأمنية سألتني: «لماذا لا يضرب بوش صدام بمدفع؟» بعد أن تأكدت من توافر الأدوية لديها، وعندما عرفت عن نقص لديها لدواء القلب توجهت إلى صيدلية الغانم في شارع فهد السالم وحصلت عليه.

د. حامد الحمود


تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking