آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

72400

إصابة مؤكدة

482

وفيات

64028

شفاء تام

العودة إلى الكويت

أرى أنه من المهم أن نعرف نحن الكويتيين أن موضوع غزو الكويت كان أشبه ما يكون بقرار فردي، عرضه صدام على مجموعة صغيرة جداً من كبار قادة الحرس الجمهوري، ولم يكن العرض للنقاش، إنما كان أمراً للاستعداد للغزو. ولم يتجرأ أي من هذه القيادات العليا من الحرس الجمهوري على ثنيه عن قراره أو إلى تبيين مخاطر قراره هذا. ووفقاً لرواية رعد الحمداني – قائد الفيلق الثاني في الحرس الجمهوري – الذي توفي منذ خمس سنين، فإن وزير الدفاع العراقي آنذاك عبد الجبار شنشل، ونزار الخزرجي - رئيس الأركان – لم يكن لديهما علم بالغزو، وقد استدعاهما صدام ظهر الخميس 2 أغسطس 1990 ليعلمهما به! هذا وتمكن نزار الخزرجي من الهروب من العراق والإقامة في الدنمارك عام 1995.

أما الإجابة عن التساؤل عما إذا كان من الممكن أن تتجنب الكويت الغزو، فالإجابة عن ذلك أنه كان ممكناً لخيار أسوأ. فالمفاوضات التي تمت مع عزت إبراهيم – نائب صدام – والمغفور له الشيخ سعد العبدالله السالم كانت مجرد تغطية لخطة الغزو التي كانت دفينة في دماغ صدام. ولربما لو قدم المغفور له الشيخ سعد تنازلاً في مفاوضاته مع الدوري لتأجل الغزو، ولخضعت الكويت لعقود عديدة لصدام ولعدي ولقصي! لذا وعلى الرغم من المعاناة والآلام التي سببها الغزو العراقي، فإن نتائج تأجيله بالخضوع لمطالب صدام كانت ستكون أكثر بلاء على الكويت، ولعلها مفارقة غريبة أن ينتشر فيديو في أبريل 2019، يظهر فيه عزت إبراهيم الدوري معتذراً عن غزو الكويت، معلناً أن الكويت لم تكن أبداً جزءاً من العراق.

بعدما اقتنع عقلي بما سمعته أذني، من أن الدبابات العراقية دخلت مدينة الكويت، حاولت أن أتصل بوالدتي التي لم ترد على رنين الهاتف. من جهة أخرى، كان علي أن أهدئ من روع زوجتي التي كانت تكرس عنايتها لحمود الذي كان عمره عشرين شهراً وصفية التي كان عمرها خمسة أشهر.

توجهت إلى الشارع والتقيت ببعض الكويتيين، وقمنا بتنظيم مسيرة في مدينة ليماسول القبرصية، نستنكر الغزو وندعو العالم لنصرة الكويت والكويتيين. ولاشك أنه كان هناك تعاطف، لكن هموم من في هذه المدينة من سياح كانت الاستمتاع بالبحر وتذوق الأكل والرقص إلى آخر الليل، مما زاد من غربتنا. فقررت أولاً بيني وبين نفسي أن أعود إلى الكويت، ولأكون مستعداً للمهمة، ودربت نفسي على المشي لمسافات طويلة. فقبل أن أخبر زوجتي بنيتي العودة كنت أمشي 12 كلم في اليوم. ومن حسن حظي أن زوجتي تقبلت فكرة عودتي إلى الكويت لكون والدتي كانت وحدها، لأن جميع إخواني كانوا خارج الكويت. وأضاف إلى عزيمتي على العودة ابن اختي رياض الربيعة الذي كان يتصل بي من الخبر، حيث يعيش. وكان يخبرني أنه حتى وإن لم أتمكن من العودة إلى الكويت، فتواجدي في المنطقة الشرقية من السعودية سيعطيني الفرصة أن أشارك في المساعدة على إغاثة الكويتيين القادمين إلى السعودية. واتفقت مع زوجتي على أن أتوجه إلى البحرين ثم عبر الجسر إلى الخبر. وأن تسافر هي مع حمود وصفية لتنضم إلى عائلتها التي كانت تقضي الصيف في القاهرة.

وصلت إلى مطار البحرين مساء الأربعاء 8 أغسطس 1990، وكان في استقبالي ابن أختي رياض، وتوجهنا عبر الجسر إلى الخبر لننام الليل ونتوجه إلى الحدود صباح الخميس، لكن وبعد استراحة قصيرة في منزل رياض، طلبت منه أن نتوجه إلى الحدود، فوصلنا إلى بوحدرية بعد منتصف الليل على أن ننام في المسجد ومن ثم نتوجه إلى الحدود. لكني لم أستطع النوم، وأخذت التقي مع الكويتيين القادمين، وأتحدث معهم عن الوضع الأمني والمعيشي في الكويت، والذي لم يكن مشجعاً. صباح الخميس 9 أغسطس، حاولنا الاتصال بالكويت من الخفجي عن طريق هواتف نقالة دون أن ننجح. ومكثنا حوالي الساعتين نعيد الاتصال، ونحاول أن نبحث عن سيارة متوجهة إلى الكويت. وللتوضيح فإنه خلال الأيام الأولى من الاحتلال لم تكن الحدود مغلقة بالكامل، فكان يسمح أحياناً لبعض السيارات أن تتوجه إلى الكويت. وكان ابن أختي رياض قد توجه إلى الكويت يوم الجمعة 3 أغسطس ورجع منها السبت 4 أغسطس.

وبعد انتظار في الخفجي، قررنا أن نتوجه إلى مخفر الرغوة السعودي الكائن غرب الخفجي. وهناك وبعد وصولنا بدقائق، وإذا بسيارة بيضاء كانت متوجهة جنوباً إلى الوفرة، وفيها اثنان. وبعد أن توقفت وافقا أن يأخذاني معهما. ولم يكن معي إلا شنطة يد خفيفة. ودعت رياض وزاد من اطمئناني أن هذين السعوديين الشجاعين يعملان في إطفاء الوفرة، وكانا متوجهين إلى الكويت لإحضار أخيهما الذي ذهب إلى الكويت في 30 يوليو مع زوجته لقضاء شهر العسل.

قبل أن نتمكن من الدخول إلى الوفرة، اعترضتنا ثلاث نقاط سيطرة عراقية، وأظهر سلوك القائمين عليها أنه لم يكن لدى القادة العسكريين في هذه المنطقة سياسة واضحة بغلق الحدود بالكامل، فنقطتان طلبا منا الرجوع، لكن الرفيقين السعوديين لم ييأسا، فلهما دراية بالطرق. وعلى مبعدة حوالي كيلو متر من النقطة الثانية، توقفنا نقطة سيطرة ثالثة، وتطلب منا الرجوع إلى السعودية، لكن أثناء الحديث معهم، تتوقف سيارة عسكرية ليخرج منها ضابط متسائلاً: «شبيهم؟». فأخبرته أني كويتي وأرغب أن أرجع إلى أهلي. فيأمر الجنود «خليهم يرجعون.. بلدهم!»، بالطبع هذا اللطف لم يدم طويلاً، فبعد نشاط المقاومة الكويتية، تغير سلوك نقاط السيطرة العراقية المتحكمة في الدخول إلى الكويت. وأخذت تضم نقاط السيطرة العراقية رجال مخابرات متمرنين على القتل والتعذيب، لذلك كثير من الكويتيين الذين حاولوا أن يرجعوا بعد مدة أطول من التاريخ الذي رجعت فيه، لم يقابلوا ضابطاً عراقياً يخاطب جنوده قائلاً: «خليهم يرجعون.. بلدهم»..!

د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking