آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

102441

إصابة مؤكدة

595

وفيات

93562

شفاء تام

وهكذا احتضن ثرى الكويت جسدها وروحها الطاهرة.. عاشقة الكويت التي أقرب ما تكون إلى القداسة في سلوكها وحياتها وروحها.

قدِمَت «تانيا» إلى الكويت في عام 1964.. وكانت قد بدأت فيما قبل رحلتها إلى خارج وطنها الأم.. النمسا.. وذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية.. غادرت هرباً من الصقيع والبرد.. إلى صحراء كالاهاري في أفريقيا.. حيث تزوجت ضابطا برتغاليا.. لتترك ملذات الدنيا فيما بعد وتبدأ رحلتها الروحانية التي ألهمت الكثير من مريديها. أرادت أن تقترب أكثر من مركز الطاقة في الأرض.. فرحلت إلى مصر.. وكانت نصيحة أحد الأصدقاء هناك بأنها إن كانت تنوي الاستقرار في الشرق الأوسط.. فلتكن الكويت محطتها وخيارها.. كان ذلك في عام 1964.. ومنذ ذلك التاريخ إلى يوم رحيلها في الثالث عشر من يوليو 2020 أصبحت الكويت بلدها ومعبدها كما كانت تردد.

دينها المحبة.. وعقيدتها السلام.. أما أكبر الخطايا عندها فهي الكراهية.. لكنها كانت تكرر دائما أنها لا تملك إلا أن تكره هتلر. ومن بعده اضطرت لأن تكره صدام حسين لأنه منعها من العودة إلى الكويت لمدة تسعة أشهر إبان الغزو.

احتفلنا معاً بعيد ميلادها السابع والتسعين في الأول من يوليو.. وكنت ألمح في نظراتها للأشهر الأخيرة دعوة للرحيل.. كانت تدرك أنها راحلة.. فلم تعد تغلق باب شقتها.. وحين أسألها كانت تجيب باقتضاب أنها تعلم ذلك! لم تملك شيئا في حياتها الطويلة سوى حكمة الطمأنينة والمحبة والسلام.. وصايا غرستها في يقين كل من اقترب من قلبها.. وسكن مع روحها.

حين وقفت على قبرها يوم الرابع عشر من يوليو.. أحسست بسكينة وبأنني استطعت أن أحقق لها أمنية غالية كانت ترددها دائما.. أريد أن أموت وأُدفَن في الكويت.

تُصادفنا في رحلة الحياة نماذج كثيرة.. بعضها يعبر من دون أن يُلقي علينا بظلال حضوره.. وبعضها الآخر يبقى عالقا في ثنايا الذاكرة والقلب.. فيصبح حضوره طقسا من طقوس حياتنا اليومية.

منذ أن التقيتها قبل ثلاثة عقود ونصف العقد.. أصبحت جزءاً من عالمي.. وتشكّل لدي في حضرتها يقين مختلف.. وطاقة من الإلهام الروحاني التي نادرا ما يحفّزها بشر.. وهي التي استطاعت أن تختزل الوجود في هالة واحدة.. إطارها المحبة والطمأنينة.

عاشت الحرب العالمية الثانية.. ولم تدنسها.. وعاصرت جميع حروب المنطقة.. وبقيت بصفائها.. رافقت في الكويت التي أحبتها محطات ولحظات كثيرة.. وأفرغت مخزونا ثريا من الذاكرة لكل ما شهدته في الكويت منذ ستينات القرن الماضي.

يوم الثالث عشر من يوليو خرجت «تانيا» من هذه الدنيا كما قدِمَت إليها.. فهي لا تملك شيئا.. ولم ترغب في يوم ما أن تملك إلا ما يمكّنها من أن تعيش يومها.. فالحياة بالنسبة اليها كانت رحلة تعلّم.. وفرصة يقظة.. من يدركها.. يملك الدنيا وما فيها.. أو هكذا كانت رحلة «تانيا» أيقونة المحبة والسلام والطمأنينة... رحلة حافلة بثراء عابر للوجود.

سعاد فهد المعجل


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking