آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

73785

إصابة مؤكدة

489

وفيات

65451

شفاء تام

كما أشرت في الجزء الأول من المقال، فإن البحث الذي نشرته إيميلي هيرنغ، في مجلة aeon.co الثقافية يناقش ما قدمه الفيلسوف هنري بيرغسون (1859 ــ 1941) حول أهمية الضحك في جعل عقولنا وحياتنا الاجتماعية مرنة، معتمدة على مقال طويل نشره بيرغسون عام 1900 بعنوان «الضحك: مقال في معنى الفكاهة». هذا من فيلسوف اشتهر بتقديمه التجربة الذاتية والحدس على المنطقية المادية المجردة. ومنذ ذلك التاريخ ظهرت مئات الدراسات لعلماء نفس واجتماع وفلاسفة وحتى اقتصاديين حول دور الفكاهة في المجتمع. فلربما أغلبية برامج التلفزيون غير الإخبارية وغير الوثائقية هي نوع ما من الفكاهة. وبعض البرامج الفكاهية مثل برنامج السبت SNL على محطة NBC سيقترب عمره من نصف قرن، وما زال مدرسة فنية للشباب من الفنانين، إضافة إلى أنه يدر الملايين إلى هذه المحطة.

ولم يقدم أي من الفلاسفة رأياً لتقنين الدعابة أو النكتة، أو أن يفضلوا الابتسام على الضحك. لكن الإنسان يتعلّم كذلك أن هناك حالات يجب عليه أن يتوقف فيها عن الضحك. ويدعو بيرغسون كذلك «إلى عدم سجن روح الفكاهة بتعريف معين.. علينا أن نحدد دورنا بمراقبتها تنمو وتتوسع». ويرى بيرغسون أن الفكاهة لا توجد خارج فهم الإنسان، ويقول: «إنه عندما نضحك على الحيوان أو النبات، فإن ذلك لاستشعارنا موقفاً أو تعبيراً إنسانياً». وفي هذا المجال تقتبس هيرنغ من ويل روجرز قوله: «يمكن للبصل أن يبكي الناس لكن لم نسمع عن نبات جعلهم يضحكون». والضحك لا يقتصر على الذين يعيشون حياة ميسورة، فمن حسن الحظ أنه يمكن أن يحصل عليه الفقراء مجاناً، وقد يعبّرون عن معاناتهم بالضحك.

وتأليف النكتة أو خلقها يعبّر عن ذكاء وإبداع، وبعض النكات تحتاج كذلك إلى مستمع نبيه يتعرّف على حبكتها ونتيجتها المفاجئة. فالنكتة في كثير من الأحيان عبارة عن قصة قصيرة جداً نهايتها تسبب الدهشة للمستمع. ويمكن أن نعتبر أن بعض القصص نكتة طويلة جداً نهايتها مدهشة. وفي هذا المجال أذكر الروائي الفرنسي غي دو موباسان المعاصر للفيلسوف هنري بيرغسون، الذي عادة ما ينفجر القارئ ضاحكاً بعد قراءة الأسطر الأخيرة من قصصه القصيرة.. ولكون الضحك على النكتة يعتمد على استيعاب مفاجأتها، فإن شرحها يقضي عليها أو يحول الاستجابة لها من انفجار ضاحك إلى ابتسامة كسولة. وفي هذا المجال تنقل إيميلي هيرنغ عن الكاتب الأميركي أي بي وايت E B White: «يمكن تشريح النكتة كما الضفدع، لكن كليهما يموت في العملية».

كما أن حس الدعابة لا يجعل اللغة مرنة أكثر فقط، وإنما يضيف إلى الوعي الاجتماعي. فالنكتة تحارب أو تتحدى جمود أو صلابة أو عدم مرونة اللغة وتسخر من القيم الاجتماعية عن طريق التورية أو التلاعب اللفظي والمسمى بالإنكليزية Pun، التي يشتهر بها المسرحي الأيرلندي الشهير أوسكار وايلد، الذي سئل مرة: هل تستطيع أن تحول أي موضوع Subject إلى تورية أو Pun؟ فأجاب: نعم. وعندما طلب منه السائل أن يحول كلمة الملكة Queen إلى موضوع Subject، أجاب: إن الملكة ليست موضوعاً. وبالعربية لن نفهم التورية لكن إجابته كانت The Queen is not a subject بمعنى أن الملكة ليست من الرعية. فكلمة Subject بالإنكليزية تحمل معنيين: موضوع ورعية. والتلاعب اللفظي أو التورية هو الجاذب في مسرحيات أوسكار وايلد. وأذكر أنه منذ حوالي 25 سنة حضرت في مدينة كيمبرج الإنكليزية مسرحية عن حياة أوسكار وايلد. واقتصرت المسرحية على ممثل واحد قام بدور أوسكار وايلد تمكّن من شد انتباه الحضور لساعة ونصف من دون أن يشعروا بضجر. وأذكر أنه كان من بين الحضور ستيفن هوكنغ الفيزيائي الشهير المقعد، الذي التقيته في اللوبي وتحدثت معه وأخبرته أني قرأت كتابه «تاريخ مختصر للزمن».

وهناك أكثر من فيلسوف وعالم اجتماع يتفقون على أن حس الدعابة أو النكتة يمكن توظيفه لمعاقبة المختال والمتكبر وحتى الدكتاتور المتغطرس. فتدوال نكتة «شيلمهن» إبان حكم صدام كانت وسيلة عبّر بها العراقيون عن ازدرائهم للرئيس واشمئزازهم من صور الطاغية التي انتشرت في كل ساحة وشارع. كما أن الكبرياء من مظاهر الحياة الاجتماعية. وهي ظاهرة مضرة تستخدم الدعابة أو النكتة في محاربتها. لذا ترى إيميلي هيرنغ «أن الوظيفة الاجتماعية للضحك هي تصويب المواقف الاجتماعية المزعجة. فنحن نضحك إما على غريبي الأطوار أو المتصلبين الفاقدين للمرونة. لهذا ففي هذه الحالة يكون دور النكتة عقابياً».

وفي السينما تم توظيف حسن الدعابة لنقد الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ففي فيلم «أوقات حديثه 1936» لشارلي شابلن تستخدم النكتة أو الدعوة للضحك لنقد حالة العمال على خط الإنتاج. فقد استخدم شابلن فكرة الاغتراب في الفكر الماركسي لنقد حالة الضجر والغربة التي يعيشها العمال على خط الإنتاج. وفي نفس الفيلم أو في فيلم آخر له يظهر شابلن واضعا صحنا فيه فردتي حذاء يحاول أن يأكلهما بالشوكة والسكين.

وعلينا ألا ننسى فن الكاريكاتير في إيصال النقد للقادة السياسيين. ويصل فن الكاريكاتتر إلى انتقاد مفاهيم الإدارة المتغيرة. فأذكر أنه منذ سنوات نشرت هارفارد بزنيس رفيو رسماً كاريكاتيرياً لشخصين وقفا أمام مبنى عال محدقين بمجسم ضم تماثيل لخمسة رجال وأحدهما يخاطب الآخر قائلاً: لم يعد هناك أبطال.. فقد استبدلوا باللجان!


د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking