ماذا يحدث لجسم الإنسان.. عندما تلتقي الأنفلونزا بفيروس كورونا؟

د. بلقيس دنيازاد عياشي -  

الكثير من العلماء ولوقت غير بعيد كانوا يأملون في أن حر الصيف الشديد سيقضي على فيروس كورونا، لكن وللأسف تلك الآمال تلاشت فقد زادت حالات الإصابة بهذا الوباء لتصل إلى 15 مليون إصابة في العالم، متسببة في أكثر من 600 ألف حالة وفاة.

أجواء الحر التي سجلت في إيران أو في دول الخليج أو في مناطق أخرى من العالم لم تساهم في القضاء على الفيروس، والعلماء يتساءلون الآن ماذا سيحدث عندما يبدأ فصل الخريف وتنخفض درجات الحرارة ويبدأ المطر بالنزول بشكل كبير، وتأتي معه موجات الإصابة بفيروس الإنفلونزا الموسمي؟، وماذا سيحدث لجسم الإنسان إن تجمعت فيه الإصابة بفيروس كورونا وفيروس الإنفلونزا؟

يقول آب أوسترهاوس، عالم الفيروسات من مركز الأبحاث للعدوى الناشئة والأمراض الحيوانية المنشأ في هانوفر بألمانيا، وفق صحيفة «الغارديان»: «يمكننا توقع موجات جديدة من فيروس كورونا في الخريف، وبحلول ذلك الوقت، نأمل أن نكون أفضل في معالجة الحالات الشديدة، وقد يكون بمقدور المزيد من البلدان اختبار جميع الحالات وجهات الاتصال الخاصة بهم وتعقبها وحجرها، واحتواء الفيروس، وهذا أفضل ما يمكن فعله».

المشكلة الأولى التي ستواجه القطاعات الصحية في مختلف أنحاء العالم هي تحديد ماهية الفيروس الذي يعاني منه المريض إن كان فيروس كورونا أو انفلونزا.

وتحذر باربرا راث، من جامعة نوتنغهام من أن «الإنفلونزا وفيروس كورونا وأمراض الجهاز التنفسي الموسمية الأخرى لا يمكن تمييزها تقريبًا على أساس الأعراض، حتى فقدان حاستي الشم والتذوق التي يعاني منها الكثير من الناس المصابين بفيروس كورونا هي أعراض ليست فريدة من نوعها».

وتضيف بابرا: «نحن بحاجة إلى اختبارات تشخيصية أفضل وأكثر لأن الاختلاف مهم، ويحتاج الطاقم الطبي إلى معدات وقائية كاملة لعلاج مريض فيروس كورونا، ولكن يمكن لهؤلاء المصابين بالانفلونزا تطعيمهم فقط».

تداخل فيروسي

في كل خريف تبدأ مجموعة من الفيروسات في الانتشار منها الفيروس الأنفي، وهو السبب الرئيسي لنزلات البرد، والذي ينتشر كل شهر سبتمبر عندما يعود الأطفال الصغار إلى المدارس، وعندما ينحسر هذا الفيروس يبدأ فيروس RSV - ويطلق عليه (الفيروس المخلوي التنفسي) - بالانتشار كل عام في شهري أكتوبر أو نوفمبر، يتسبب هذا في نزلات برد خفيفة للناس من جميع الأعمار، ولكن في بعض الأحيان قد يصيب الناس بالتهابات رئوية حادة، ثم ينحسر فيروس RSV، وينتشر فيروس الإنفلونزا السنوي أو الموسمي في أي مكان من أوائل الشتاء إلى وصولاً الربيع، مدفوعًا بشكل رئيسي بالانتقال بين الأطفال، ولكن قد يكون ضحاياه من كبار السن، حيث يموت حوالي 8000 في المتوسط ​​سنويًا بسبب الإنفلونزا في المملكة المتحدة.

المشكلة الآن هي في وجود تداخل فيروسي، وكيف سيتأقلم فيروس كورونا مع هذا التداخل أو التدافع الفيورسي؟

ويقول ستيفن كيسلر، وهو باحث ما بعد الدكتوراه في علم المناعة والأمراض المعدية بجامعة كامبريدج، وفق شبكة The Conversation الإخبارية: «يمكن أن يؤدي تجمع الفيروسات في الجسم إلى تفاقم الضرر الناجم عن بعضها البعض. على سبيل المثال، عند تجمع فيروس نقص المناعة البشرية ومرض الحصبة في جسم الإنسان فهما يقومان بهجوم مباشر على جهاز المناعة، ويعملان على إضعاف دفاعات الجسم وترك الشخص عرضة لمسببات أمراض أخرى».

أما إيان ماكاي من جامعة كوينزلاند، فيقول «في بعض الأحيان يمكن أن يصاب شخص بفيروسان اثنان».


الشكل التقريبي للفيروس الأنفي الذي يتسبب في معظم نزلات البرد

كما يقول فلوريان كرامر من كلية الطب في نيويورك:« نحن نعلم أنه يمكن أن يصاب أي شخص بفيروس الإنفلونزا وأيضاً فيروس كورونا، فأول حالة توفيت بمرض كوفيد-19 وسجلت خارج الصين كانت لرجل يبلغ من العمر 44 عامًا في الفلبين، وكان مصابًا أيضًا بالإنفلونزا»، ويضيف: «لا نعرف على وجه اليقين إن كانت الإصابة بالأنفلونزا تجعل من حالة الشخص المصاب بفيروس كورونا أسوأ، لكن حقيقة أن الضحية الفلبيني كان سنه صغيراً نوعا ما.. أمر مقلق».

أفاد أطباء في مستشفى تونججي في ووهان أنه في يناير وفبراير من هذا العام، مع انتشار فيروس كورونا في المدينة بينما كانت الأنفلونزا لا تزال منتشرة، كان العديد من مرضى فيروس كورونا مصابون بفيروسين.

وتقول صحيفة «الغارديان»: «لا يبدو أن الإصابة المشتركة تغير فرص بقائهم على قيد الحياة مقارنةً بالأشخاص المصابين بفيروس كورونا فقط، ولكن سجل لديهم المزيد من حالات تلف أنسجة القلب والمزيد من الالتهابات المبكرة، ورد الفعل المفرط للجهاز المناعي الذي يقتل العديد من مرضى كوفيد-19».

لقاح ودواء

المطلوب الآن هو الاستعداد للإنفلونزا، لأن هذا الفيروس الوحيد من هذه الفيروسات التي لدينا دواء محدد مضاد لها، كما أننا نملك لقاحاً يحمي من الإصابة منها، ويقول فلوريان كرامر: «هذا يعني الحصول على لقاح الأنفلونزا»، ويضيف:« نظرًا لأن فيروسات الإنفلونزا تتطور باستمرار، فإن لقاح الأنفلونزا شيء يجب أن تحصل عليه كل عام«.

يُنصح بهذا التطعيم عادةً للحوامل والأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا وأطفال المدارس والأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالأنفلونزا بسبب الحالات الأساسية مثل مرض السكري وارتفاع ضغط الدم أو أمراض الرئة وهي نفس الأمراض التي تزيد من خطورة فيروس كورونا، ويقول كرامر: «هذا العام، يجب أن يأخذ الجميع لقاح الإنفلونزا، لأن فيروس كورونا يمكن أن يزيد من المخاطر على الجميع».


الفيروس المخلوي التنفسي

ويتابع: «يرجع ذلك جزئيًا إلى أن الأشخاص الذين لا يحصلون عادةً على لقاح الإنفلونزا لأنهم ليسوا في تلك المجموعات المعرضة لخطر كبير، قد ينتهي بهم الأمر بمرض شديد بعد كل شيء.. علاوة على ذلك، كل عام الأشخاص الذين لا يحتاجون للقاح الإنفلونزا ينتهي بهم المطاف في المستشفى على أي حال مع بعض المضاعفات، عادة يصابون بالتهاب رئوي، وهذا ما سيثقل كاهل الخدمات الصحية، والأسوأ من ذلك، أنهم سيصبحون أكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا أيضًا أثناء وجودهم في المستشفى».

أزمة كبيرة

تقول مجلة scientific american أن «التداخل بين فيروس كورونا والإنفلونزا يثير قلق علماء الأوبئة وبعض صانعي السياسات، إذ لديهم مخاوف من أن تواجه الولايات المتحدة قريباً وبائين في الوقت نفسه، وقد يؤدي هذا المزيج إلى أزمة لا مثيل لها».

ويقول مارك ليبسيتش، عالم الأوبئة في جامعة هارفارد: «في أسوأ السيناريوهات، سوف ينتشر كل من فيروس كورونا والإنفلونزا بسرعة ويسببان مرضاً شديداً، مما يعقد التشخيص ويشكل عبئا مزدوجا على نظام الرعاية الصحية».

ويوضح جيفري شيمن، عالم الأوبئة في جامعة كولومبيا: « قد يعود فيروس كورونا مرةً أخرى ليطاردنا، ربما نتهاون، مما قد يجعلنا غير مستعدين«، مضيفاً: «إن القلق من احتمال إصابتنا بضربة مزدوجة من الإنفلونزا وفيروس كورونا أمر له ما يسوغه».

في كل عام، تصيب الإنفلونزا الملايين من الأشخاص في الولايات المتحدة، وفي السنوات العصيبة بالتحديد، تتسبب الزيادة المفاجئة في حالات الإنفلونزا في ارتباك المستشفيات وأنظمة الرعاية الصحية، ففي خلال موسم الإنفلونزا 2017-2018، أفادت وكالات الأنباء المحلية بأن المستشفيات في جميع أنحاء البلاد أرسلت في إحضار ممرضات بالطائرات من ولايات أخرى، ونصبت الخيام في مواقف السيارات، وأرسلت سيارات إسعاف إلى مرافق أخرى بسبب الزيادة الكبيرة في أعداد المرضى.

وفق تقديرات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، توفي ما بين 46000 و95000 أمريكي من جراء إصابتهم ذلك الموسم.

في دراسة أجريت على حوالي 1200 مريض في شمال كاليفورنيا، ونشرت في مجلة JAMA الطبية في أبريل، تبين أن واحدا من كل خمسة أشخاص جرى تشخيص إصابتهم بفيروس كورونا، كان مصاباً بفيروس تنفسي آخر في الوقت ذاته.

ويقول بن كاولينغ، عالم الأوبئة بجامعة هونغ كونغ: «إن خطورة مثل هذه العدوى المشتركة منخفضة عادة، ولكنها تشتد عندما ينتشر فيروسان بشكل كبير في المنطقة نفسها«، مضيفاً: «من الممكن أن تصاب بالفيروسين في الوقت نفسه بالضبط إذا كنت سيئ الحظ».

تدابير وقائية

في دراسة نشرت في مجلة The Lancet الطبية في أبريل الماضي، أظهر بين كاولينغ، أن تدابير الصحة العامة التي جرى العمل بها في هونغ كونغ لاحتواء فيروس كورونا، مثل القيود الحدودية والحجر الصحي والعزل والتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات وغسل اليدين، أدت إلى انخفاض سريع في نشاط الإنفلونزا.

وفي الولايات المتحدة، تراجعت حالات الإنفلونزا الجديدة بعد أسابيع قليلة من إعلان أن فيروس كورونا أصبح جائحةً عالمية.

ولكن مع تخفيف بعض الولايات الأمريكية من القيود المفروضة على النشاط والسفر، قد تتغير سلوكيات الأشخاص بطرق تسهل انتقال الفيروس، لذلك فإن مواجهتنا لخطر مزدوج لا يزال أمراً محتملاً، وليس من الواضح ما هي الاستجابة الحكومية التي يجري إعدادها من أجل الاستعداد لهذا الخطر، وفق ما تقوله مجلة scientific american.

في أبريل الماضي، قال روبرت ريدفيلد مدير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها لصحيفة واشنطن بوست: «سنواجه وباء الإنفلونزا ووباء فيروس كورونا في الوقت نفسه».

وتقول صحيفة «الغارديان» البريطانية: «سيكون هناك سيناريو كارثي، إذا لم تكن إنفلونزا هذا العام من النوع الموسمي العادي.. فبين الحين والآخر يظهر فيروس أنفلونزا جديد تماماً ويكون القليل من الأشخاص فقط لديهم مناعة ضده، وهذا هو الوقت الذي ستتحول فيه الإنفلونزا إلى جائحة وتزيد الأوضاع أكثر سوءاً».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking