آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

70727

إصابة مؤكدة

471

وفيات

62330

شفاء تام

السياستان المالية والنقدية.. تناقض وتضارب!

سالم عبدالغفور -

كشفت أزمة «كورونا» عن هوة كبيرة، تفصل ما بين صانعي السياستَين النقدية والمالية في الكويت، حتى أصبحتا أحياناً كثيرة متناقضتين ومتضاربتين قولاً وفعلاً، ما انعكس سلباً على المناخ الاقتصادي بشكل لا تخطئة العين، وأوصل خزينة الدولة إلى العجز المدقع، وبات القطاع الخاص على شفير الهاوية.

ففي الوقت الذي أطلقت فيه أغلب دول العالم حزماً لتحفيز الاقتصاد، بهدف انتشاله من براثن أزمة «كورونا»، اكتفت حكومتنا بتشكيل لجنة للتحفيز الاقتصادي؛ مهمتها وضع الخطط والبرامج لمعالجة التداعيات، ومرت أشهر من دون تنفيذ أغلبية بنودها؛ إذ أحجمت على تطبيق بعضها، وتكاسلت عن تطبيق أخرى.

أظهرت تلك الصورة جانباً من الواقع المرير الذي يعيشه الاقتصاد والقطاع الخاص؛ فالطبيعي أن تظهر السياسات المالية والنقدية في الدولة متناغمة ومتزامنة لتحقيق هدف واحد، وفقاً لمقتضيات الظروف، وتزيد أهمية هذا التناغم وقت الأزمات، حيث يجب أن تكون تلك القرارات توسعية تحفيزية، تستهدف الحفاظ على النمو الاقتصادي وفرص العمل القائمة ومساندة الأعمال.

  مظاهر التناقض

1- انكماش أم تحفيز؟

في أعقاب الأزمة المالية، باتت السياسة النقدية أكثر شهرة من «المالية»، نظراً إلى قدرتها على التدخّل السريع، ولكن خلال الركود الشديد تكون السياسة المالية أكثر أهمية لجذب الثقة بالاقتصاد، ومن ثم تتدخل السياسة النقدية، وفي كل الأحوال يجب أن تكون تلك السياسات متناغمة.

الكويت تعيش حالة فريدة من نوعها عالمياً؛ فقرارات صانع السياسة المالية انكماشية، والدليل على ذلك قرارات تخفيض ميزانية الوزارات بحد أدنى %20، تتركّز على الانفاق الاستثماري. في المقابل، خفض بنك الكويت المركزي سعر الفائدة لتشجيع الاقراض لمستويات متدنية تاريخياً (%1.5 سعر الخصم)، ولكن لماذا تقترض الشركات اذا كانت الحكومة لن تطرح مشاريع جيدة وأوقفت القائم منها؟! علماً بأن القطاع الخاص الكويتي يعتمد بشكل شبه كلي على الإنفاق الحكومي.

2- إنفاق أم ادخار؟

في سنوات الركود تسعى الحكومات إلى ضخ سيولة في الأسواق حتى إن بعض الدول في أعقاب الأزمة المالية وزّعت «كاشاً» على المواطنين، كمنح للحفاظ على استمرارية الدورة الاقتصادية، في الكويت صدرت قرارات بتأجيل أقساط القروض لمدة 6 أشهر، على الرغم من أن %90 من المواطنين يعملون بالقطاع الحكومي ورواتبهم مضمونة. في المقابل، أغلقت البلاد وأوقفت النشاط الاقتصادي كلياً أو جزئياً منذ منتصف مارس بحظر جزئي ثم كلي ثم جزئي، إذاً، ما المردود على الاقتصاد الوطني من قرار تأجيل الأقساط؟

3- حزم تحفيز أم ضرائب وزيادة رسوم؟

خلال الأزمة، سارعت دول العالم إلى إطلاق حزم تحفيز اقتصادية ضخمة لإنعاش الاقتصاد والحفاظ على معدلات النمو، وبعضها كررها أكثر من مرة، أصدرت إعفاءات من الرسوم وخففت الضرائب، في حين تسعى خطة الإصلاح الاقتصادي لوزارة المالية إلى تخفيض المصروفات والمكافآت وزيادة الرسوم وفرض ضرائب (وإن كان الرفضان الشعبي والنيابي مصيرَي تلك الخطط)، كما أن خطة التحفيز جاءت مصرفية، إلى حد كبير، من خلال توفير قروض ميسّرة أو مضمونة حكومية، باشتراطات صارمة، وللأسف كانت المحصلة صفرية، إذ فضلت الأغلبية الساحقة من الشركات المتضررة الحصول على التمويل عبر الطريق المعتاد بمستويات فائدة قريبة من القروض الميسّرة جنباً للاشتراطات الإضافية.

4- الحكومات تدعم أم البنوك؟

في الأزمات والجوائح، تقدم الحكومات الدعم اللازم للحفاظ على استمرارية القطاع الخاص والنمو الاقتصادي وعدم تقليص عدد الوظائف، ولكن عملياً ما قدمته حكومة الكويت بخلاف دعم العمالة الوطنية كان من خلال البنوك، سواء عبر قرار تأجيل الأقساط، الذي كلف المصارف، وهي جزء أصيل من القطاع الخاص ما تسبّب في خسائر تجاوزت 380 مليون دينار أو بزيادة المخاطر عليها لتوفير القروض.

5- المصارف وقوة الدينار

يستهدف صانع السياسة النقدية الحفاظ على سلامة القطاع المصرفي واستمراء كفاءة خدماته من ناحية، والحفاظ على قوة الدينار الكويتي كعملة وكعائد على الودائع بالدينار من ناحية اخرى، في المقابل طريقة تعامل صانع السياسة المالية مع الأزمة قد تتسبب في تعريض استقرار القطاع المصرفي للخطر، إذ قد تتحول «كورونا» من أزمة صحية تؤثر في الإيرادات والربحية إلى أزمة سيولة، ربما تلحق ضرراً بالغاً بالبنوك، وتجعل بعضها بحاجة إلى زيادة رأس المال.

6- دعم القطاع الخاص أم خنقه؟

تستهدف أي سياسة نقدية توفير السيولة اللازمة لدعم القطاع الخاص للتوسع في الانتاج او الدخول في استثمارات جديدة، من شأنها خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، تساهم في سد الفجوة الكبيرة للتوظيف، في المقابل تخنق السياسة المالية للدولة القطاع الخاص من خلال وقف المشرعات، بل وتحوّله إلى قطاع عام جديد، من خلال ربط التمويل بعدم إنهاء خدمات المواطنين، ما يهدّد بنقل سلبيات بيئة العمل بالقطاع العام إلى الخاص.

وفقاً للمعطيات السابقة، فإن إعادة التناغم ما بين صانعي السياسات «المالية» و«النقدية» ضرورية بشكل عام، وتصبح حاجة ملحة في وقت الأزمات، حتى تؤتي الحلول والقرارات نتائج إيجابية، علماً بأن تزامن القرارات وتوقيتها وسرعة اتخاذها لا تقل أهمية عن طبيعة القرار نفسه.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking