آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

71199

إصابة مؤكدة

474

وفيات

62806

شفاء تام

تصوّر أن يأتي غريب يسرق الأرض والتراث والانتساب ويدعي حقه التاريخي فيها، ومما يزيد في المأساة أن هذا السارق الغريب دولة عضو في الأمم المتحدة، وهي المنصة التي يعلو فيها صوت الشرعية التاريخية والشرعية القانونية وشرعية المواطنة، وفوق ذلك يحصّن ميثاقها استدامة البقاء لأهلها.

هذا الواقع القبيح يعيشه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة التي وقعت في يد إسرائيل نتيجة لحرب 1967، الذي اعتبرته مبرراً لضم ما تريد من التراب الفلسطيني، في تحدٍّ بشع لجواهر المبادئ التي يجسدها ميثاق الأمم المتحدة، وأبرزها رفض التوسع الترابي والجغرافي بالقوة، وحرمة الأوطان وصون الحدود واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، والاعتراف بشرعية المواطنة.

ويصرخ السكرتير العام للأمم المتحدة مندداً في تعبير سياسي معنوي برفض سلوكيات إسرائيل ويدينها باعتباره الصوت المؤتمن على احترام الشرعية، لكن كل مداخلاته وكل ما حملته من مفردات الاستنكار العالمي لن توقف رئيس وزراء إسرائيل نتانياهو عن الضم، لأن الولايات المتحدة في موقف يتيح لها تعطيل أي إجراء يخرج من مجلس الأمن، ومن هذا الموقف البعيد عن قدسية مبادئ الأمم المتحدة والمستهتر بروحها، توفرت الحصانة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يملك سلوكيات قطاع الطرق Highway Robbers، أصحاب الضمائر الميتة.

ولأنني عشت في الأمم المتحدة عقداً من الزمن، شاهدت فيها قدرة أصحاب الفيتو ـ الخمسة النبلاء - وهم القياديون في مسار السياسة العالمية، على قتل إرادة الأغلبية، ورأيت فيها كيف تتحول العدالة إلى أوهام، يسيطر فيها الحرام المنبوذ على قانون الحق، فيصبح الضم واقعاً وتتحول الأراضي المسروقة إلى حصيلة من مكاسب العدوان، وتتمحور جهود الدول المعارضة، وأغلبها من فصيلة الفقراء، إلى خطب فيها رثاء للمبادئ التي حملها المؤسسون للمنظمة مبشرين سكان المعمورة بأنه لا حرب بعد اليوم ولا عدوان، والجميع آمن ضمن حدوده وعلى ترابه ووفق إرادته، وهكذا صار الميثاق مستوعباً البدع المشوهة لكل ما تمثله الأمم المتحدة، فإسرائيل المحمية بتوسعاتها وسلوكياتها من البدع المؤلمة في واقع اليوم، وأخطر ما في هذا الواقع أن البدع فجّرت الطمع لدى قيادات القادرين المحصنين من العقاب.

وأملنا حالياً أن يتحرك الرافضون للضم، لا سيما من دول أوروبا، بطرح دبلوماسية تتميز بالقوة والصوت العالي للتشهير بالتواطؤ القبيح لسرقة الأرض.

نحن في الكويت وفي دول مجلس التعاون ننعم باستقرار أوطاننا على شرعية تاريخية متواصلة ومتوارثة ومتداخلة مع شعوبها، وعلى شرعية الإرادة الوطنية في الاستقلال، وضمن حدودنا المرتكزة على الشرعية القانونية التي هي أساس الاستقرار العالمي في احترام الحدود بين الدول، وفي إيماننا بحل المشاكل بالوسائل السلمية، وفي التزامنا بعدم اللجوء إلى القوة للحصول على مكاسب سياسية وتوسعية على حساب أراضي الآخرين.

وفوق ذلك نلتزم بالنظام السياسي والاقتصادي العالمي، ونتمسك بقواعد الاستقرار وثوابت التعامل الحضاري بين الشعوب من دون تطاول أو ابتزاز، وندرك معاني الاعتدال الفكري وعقلانية السلوك السياسي، فعندما ننظر إلى الجوار الجغرافي في العراق وإيران وفي مناطق أخرى في العالم، نقف على حجم الدمار الذي سببته الأيديولوجيات المتطرفة لهذه الدول التي سقطت ضحية للبدع الأيديولوجية وللطمع في أراضي الجوار المسالم.

نحن في الكويت والخليج، نحمل تجربة مرارتها لن تزول، تعرفنا على دروسها، وتفوقنا على مؤامراتها بوحدة وطنية قاطعة، وعزمنا على توسيع ترابطنا الأمني ليعبر إلى القارات المتداخلة مصالحها مع سلامة وطننا، وصارت دروس الغزو تلازمنا في ضرورة تواجد آليات الردع لصد الطمع البشري وإغلاق أبواب البدع، وأهمها تزوير التاريخ لأراض تثير شهية الطامعين.

واقع المأزق الفلسطيني يثير فينا ضرورات التعالي على تصدعات مجلس التعاون من أجل إحياء منظومة الأمن الخليجي الجماعي، وتطبيق مبدأ المسؤولية الجماعية لأمن واستقرار دول المجلس، الذي كان من الأولويات قبل تصدع جبهة الخليج.

تحتاج أزمة الضم لوحدة فلسطينية صلبة تدخلها جميع الطوائف في حشد يتجاوز التباعد والأطماع والانقسامات، يتمثل في تعبئة وطنية حقيقية مسنودة بمؤازرة عربية وإسلامية وعالمية مستفيدة من شعور الدول النامية بأن سلامتها في الميثاق وفي حسن النوايا بين أعضاء الأسرة العالمية، وأن هذا الايمان يتعرض للتخريب، وأن رسالة الاطمئنان التي تبثها المنظمة العالمية غير سليمة في محتواها، يضاف إلى ذلك تعبئة المشاعر العالمية غير الحكومية المساندة للحق الفلسطيني، ولإنجاح هذه التعبئة، لا بد من قيام قيادة الشعب الفلسطني بطرح مشروع أمام مجلس الأمن، ربما لا يسلم من أذى الفيتو الأميركي، لكن من الضرورة أن يدعمه جميع الأعضاء للوصول فيه إلى شبه الإجماع داخل مجلس الأمن.

يتطلب الوضع صياغة عاقلة تخرج من مسح حقيقي للساحة السياسية العالمية، فالصوت الأوروبي مؤثر في التحولات ولا بد من تأمينه.. هناك شك قوي لدى أوروبا في جدوى مبادرة ترامب لتأمين دولة فلسطينية تفي بالحد الأدنى من الطموحات الفلسطينية.

المهم أن تعد المنظمة خطاباً جديداً بعيداً عن المعروف والمألوف، وأن يضيف عنصراً جديداً على خطاب أبو مازن في مارس الماضي أمام مجلس الأمن، الذي يطالب بتشكيل لجنة رباعية لتنفيذ ما يطمح به أبومازن، وأن يتشاور مع الأردن ومصر حول الصياغة الجديدة، ويؤمن دعم كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية والمغرب، لأنها دول تملك رافعة دبلوماسية لها تأثير داخل المسرح السياسي الأميركي، ولها شبكة علاقات مؤثرة مع الإعلام والكونغرس ومنظمات النفع العام.

صحيح أن انضمام الدول الأوروبية لمركب المؤيدين لن يحقق ما يريده أبومازن، لكن من دون شك يشكل اختراقاً سياسياً غير مسبوق، ويعزز موقف المؤيدين داخل الأمم المتحدة، ويزيد من عزلة الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد يكسب هذا التطور قبولاً أميركياً مستقبلاً، فالحق أن الرئيس ترامب تعدى الخطوط المعروفة لتأييد الولايات المتحدة لإسرائيل، وقد يحمل المستقبل تطورات تزيد من قناعة واشنطن بحتمية قيام الدولة الفلسطينية..

المهم أن يأتي القرار من المنظمة وليس من الأعضاء الآخرين، وأن يتضمن الجديد الذي يزيل رتابة الماضي ويفتح ذهن الأقوياء على محتوى يملك فرص النجاح، لأنه مرسوم بأحكام الواقع.

أطماع إسرائيل لضم الضفة، رواية مؤلمة تدفعنا للقول الصريح بأن هذا الضم لا يصيب شعب فلسطين فقط، وإنما يضرب الثوابت التي تعتمد عليها الدول الوطنية في جميع بقع العالم، ومن ضمنها الدول الخليجية، ويقوّض الأسس المستمدة من تراث فيه شرعية وشراكة في المصير، والتزام وطني بالأرض والهوية، واطمئنان لآلية الحكم، هذا الشعور الجارف، نذهب به إلى قاعات الأمم المتحدة صارخين بالاستنكار ومعبرين عن سخط عالمي، لعل الصوت العالمي الجماعي يفتح دروب الأمل للشعب الفلسطيني، الذي تضاءلت توقعاته في حل يريحه من اليأس ويحصنه من الضياع، منتظراً رفقة شخص عارف بحقائق الوضع - The plane of reality، مستوحياً دروس الرئيس السادات.

في رثاء الصديق علي هلال المطيري

ظهر يوم الخميس، التاسع من يوليو 2020، انتقل الصديق علي هلال المطيري إلى العالم الآخر، ممتثلاً لقضاء الله، ولا راد لقضائه، دخل المستشفى منذ أسبوع تقريباً، ورغم إدراكنا لواقع هذه الدنيا، فقد حزنت كثيراً لفقدان إنسان كان مسكوناً بحب الحياة، متمسكاً بالدنيا، فرحاً بها، وعاشقاً لجمالها ومتصوراً بأنه سيغادرها عندما تتشرب فيه كل ما فيها من تغريدات، وكل ما فيها من مبهجات، كانت هكذا حياته، الدنيا ليست لوحة صامتة، وإنما أمواج تتلاحق بأعذب الأنغام، لها طعم ومذاق، كانت مسيرته ترجمة لهذه الروح، يستذوق الرفاهية ويصادق الفكاهة وتجذبه المواقع الشاعرية، ويصاحب ملاك النزعة المرحة، ومن حسن الحظ فقد ابتسمت له الحياة، فقد جاء من بيت كريم وسخي، له موقع في تاريخ الكويت التجاري والسياسي، وتفاعل معه الحظ السعيد، فوفر له الاستقرار فأسعده أكثر، وغرس فيه الحذر، فلا يندفع إلى أماكن فيها مخاطر أو مكشوفة، خوفاً من التعرض إلى عارض غير متوقع، فيخسر شيئاً من خزائن الحياة الثرية.

اشتركنا في شقة واحدة في القاهرة، وتزاملنا في وزارة الخارجية، وعملنا تحت سقف واحد في مكتب وكيل الوزارة، كان يأخذ مكاني في مكتب الوزير عندما أسافر أو أغيب.

وفق ذلك تواصلنا، كان سفيراً في مدريد وأنا في نيويورك، نتهاتف فيروي لي أوضاعه هناك، وترك الدبلوماسية بحثاً عن ساحة أوسع وجدها في التجارة، وأصبح رئيساً تنفيذياً لبنك الخليج، وظل أطول مما توقعت، ثم خرج وفتح مكتباً خاصاً، ثم تحول إلى البنك الأهلي رئيساً تنفيذياً، وأصبح الصديق علي هلال ما يسمى باللغة الانكليزية بانكر Banker، رجل المال والمصارف.

ورغم موقعه في مكتب المال والأعمال، لم يخالط التجار في غرفتهم ولا في دواوينهم، مكتفياً بالمجموعة الصغيرة التي تشكلت من صداقة شيدتها القاهرة، وتواصلنا دون انقطاع، نلتقي يومين في الاسبوع، الإثنين والخميس، فضلا عن التواصل الهاتفي.

آخر مرة كان على الهاتف يروي لي مخاوفه من استمرار كورونا، وأنه دخل البيت الجديد في الضاحية ولم يخرج منه، منتظراً الانفراج، فلا إفراط بالعمر، وخرج من البيت لأول مرة إلى المستشفى ومنها إلى الأجل المحتوم.

سنظل نستذكر تعليقاته واستعراضه للأحداث بلسان الخائف على ما يدور في الكويت وفي المنطقة، لم تجذبه السياسة، لكنه تابع تعليقاتها وأحجم عن متابعة ضجيج البرلمان، ولم يكن من عشاق التجمعات السياسية التي لم يكن يعرفها.

تربى في البصرة واستحسن أغانيها، وتابع تاريخ العراق الذي فقد لمعانه مع سقوط الملكية، وعشق لندن التي عاش فيها زمناً، وفي الكويت اختار محيطاً صغيراً يتحرك فيه خالياً من الصخب وقانعاً بما لديه من الأسرة والأولاد، متصلاً على الدوام بدائرة من الأصدقاء، لا يستغني عن مداعبات رفقاء العمر..

كنا نتألم لأن دائرتنا تضيق بحكم الزمن وإرادة الخالق، ومع رحيله عنا، ستضيق أكثر ونظل نسلي بعضنا بما حافظت عليه الذاكرة من لوحات البهجة والارتياح خلال حياته معنا..

رحم الله الصديق علي هلال، وعزائي إلى أسرته الكريمة وأحفاده وأخوته وإلى الدائرة الكبيرة أبناء وأحفاد الجد هلال بن فجحان المطيري..

«إنا لله وإنا إليه راجعون».

عبدالله بشارة

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking