آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

70045

إصابة مؤكدة

469

وفيات

61610

شفاء تام

للمرة الأولى منذ أن بدأت رحلتي في عالم الصحافة منذ 40 عاما، أجد نفسي أمسك القلم وأكتب مقالة في جريدة أخاطب فيها إدارة تحريرها.. وهو بالمناسبة لم يكن.. في قرارة نفسي.. خياراً يمكن الأخذ به أو تركه.. بل كان أمراً حتمياً، بمعنى انه لم يكن أمامي سوى مسك القلم وتحويل كل ما اختزنته في ذاكرتي من أفكار ولّدتها مشاعري النابعة من العاطفة الممزوجة بما تفرضه حسابات القيم والمبادئ.



وكنت قد مررت قبل اتخاذ القرار بالكتابة ثم الإصرار عليه.. بحالة غريبة من التردد، فقد سألني كثيرون والسؤال مشروع.. ما رأيك في «افتتاحية القبس»؟ لا داعي لأن أعيد أنهم يقصدون بذلك.. الافتتاحية التي كتبتها القبس بتاريخ 6/‏7/‏2020 بعنوان «الاستفادة من تجربة الشقيقة الكبرى».

أنا الذي أعتبر من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي وعضوا فعالا في المشاركة في الانشطة والفعاليات التي تنظم هنا وهناك والتي تتناول الموضوعات العامة.. وصحيح أنني في المقالات التي أكتبها في الصحف تكون في موضوعات اقتصادية، إلا أن واقع الحال ومنطق الامور يؤكدان بكل وضوح انه لا يمكن فصل أي موضوع عام عن السياسة.. كما أن ترددي كان يرجع في جانب منه إلى ان افتتاحية القبس تلك قد خاض فيها الكثيرون.. وحيث إن مواقع التواصل الاجتماعي أو ما يميل إليه اكثر الناس إلى وصفها بـ«السوشيال ميديا» هي في الأساس منبر لا يخضع لمنطق الصح والخطأ، ولا هي وسائل إعلام رسمية لها أسسها الراسخة وأسوارها العالية المتينة.. فكثيرون دخلوها وصارت أصواتهم مسموعة ويؤخذ بها، وهم لا يفقهون لا في أسس الحوار ولا في سلامة المناقشة.. وهؤلاء كلهم، بالإضافة إلى الذين يشهد لهم برجاحة العقل وسلامة التفكير، قد خاضوا في الافتتاحية حتى استبيح أمرها وتحولت إلى مادة إعلامية تناسب كل صفحات الصحف.. فهي تصلح «محليات».. وتصلح «اقتصاداً».. وتصلح «منوعات وتسلية».. وتصلح «فناً».

دهشة وأسى

أعود إلى ما بدأت فأنا هنا أوجه كلماتي إلى إدارة تحرير القبس وأقول بعبارة مباشرة لا فيها «لف ودوران» ولا فيها «دبلوماسية» بأنني لم أصب بالذهول فحسب وأنا أقرأ الافتتاحية، بل أصابتني الدهشة المختلطة بأسى، وصرت أقول وأردد في نفسي «معقول».. هذه هي القبس التي أعتز أيما اعتزاز بأنني أحد أبنائها.. أعيد وأكرر «أحد أبنائها»، بمعنى أن القبس كانت لي بيتا وأسرة لا يمكن مهما بلغ الاختلاف معها أن أفك القيود والأغلال التي تربطني بها.. فهل يستطيع المرء أن يغيّر بهويته الشخصية اسم عائلته إذا اختلف مع أبيه أو أمه إذا رأى منهما أو أي منهما الخطأ.. رغم أن الدفاع عن الأسرة في حالة الخطأ يكون أمراً صعباً وبطعم مرارة السم.. خاصة إذا كانت غالبية الناس تكاد تجمع على أن ما وقع هو خطأ فادح.

أخطاء فادحة

وبرأيي، فإن القبس في افتتاحيتها تلك قد ارتكبت عدة أخطاء فادحة ما كان يجب أن تقع فيها، بل حتى أن تقترب من الوقوع في حفرة الخطأ تلك.. وهذه الأخطاء هي كما يلي:

أولاً: أنا من خلال عملي في القبس واحتكاكي المباشر بأعضاء مجلس الادارة ورئاسة التحرير أدرك جيداً معنى «مصلحة الوطن» التي يعنيها ملاك القبس ويعيها رئيس التحرير.. ولي مع رئيس التحرير وليد النصف تجربة طويلة عريضة في ذلك، فهل نسيت القبس، وأنا أقصد القائمين على إدارتها، أنها كتبت افتتاحية قبل سنتين بعنوان «لا لإغلاق جمعية الاصلاح»، حينما كان القضاء الشامخ ينظر في دعوى أقامها أحد المواطنين مطالباً بإغلاق الجمعية، لأنها- كما يراها هو- «جمعية إرهابية».. رغم المسافة الطويلة والعريضة بين الأفكار التي يؤمن بها ملاك القبس والأفكار التي يؤمن بها تيار جمعية الإصلاح.

ركائز القبس

ثانياً: في أول اجتماع له معنا، عندما تولى رئاسة التحرير في 1997، أكد لنا الأستاذ وليد النصف أن مجلس الادارة أوضح له أن هوية القبس وسياستها تتحدد في ركيزتين هما الدفاع عن حرمة المال العام.. والدفاع عن الحريات العامة، فهل بنيت «افتتاحية القبس» على تينك الركيزتين، أم أن كاتبها أو الذي أمر بكتابتها هدم الركيزتين ثم بنى «الافتتاحية»، ولعمري إنها افتتاحية بنيت على «جرف هاو».. وهذا ثاني الأخطاء الفادحة أن تهدم بيديك ما بنته يداك.

ثالثاً: الخطأ الثالث يبدأ بطرح سؤال من أجاز هذه الافتتاحية بهذا المحتوى وهذا المضمون؟.. هل وليد النصف الذي أعرفه حق المعرفة والذي أوقف لي مقالاً ذات يوم لأنه حمل جملة فيها استفزاز لأحد التيارات الفكرية بالبلد، وأكد بحسم وحزم «القبس لا تتجاوز خطاً أحمر وضعته لنفسها».. والافتتاحية المثيرة للجدل حملت في ثناياها أكثر من جملة لا تستفز فحسب أحد التيارات الفكرية، بل تستجلب عداء السلطة ضدها.. أم أن الذي يقف وراء الافتتاحية وأجاز نشرها هو نائب رئيس التحرير عبدالله غازي المضف؟.. فإذا كان هو فإنني أقول لا أبالغ إذا قلت بأنه خاب ظني فيه، وسيثبت يقيناً أنه متطرف بيساريته ضد الفكر الإسلامي، وأنه يحمل فكراً إقصائياً ضدهم، وسأقول إن ظني به خاب لأنني في كل مرة ألتقيه أجده الصحافي الشاب الذي تكاد تتجاوز مساحة فكره ودائرة تفكيره مساحة «الحريات العامة التي تتبناها القبس».

رابعاً: تدرك القبس قبل غيرها أن تجارب الدول في التنمية ليست «أصلاً» يتم استنساخ صور «طبق الأصل» عنها، ولا هي «قص ولصق» copy paste، «فنجاح تجربة التنمية في السعودية لا يعني نجاح التجربة نفسها في الكويت تماما، كما أن تجربة التنمية في دبي ليست هي التجربة عينها في السعودية أو عمان.. بمعنى انها ليست «كتالوج» أو دليل إرشادات لكيفية استخدام جهاز كهربائي يوزع في جميع دول العالم، كل بلغته.

خلط الزيت بالماء

خامساً: حاولت الافتتاحية أن تخلط الزيت بالماء في وعاء واحد.. ونسيت، أو تناست، أنه مهما قام حامل الوعاء بـ«رجّه وخضّه» لابد أن ينفصل الزيت عن الماء ويطفو عليه.. فكيف يستقيم في الكويت أن تطالب بفرض «القيمة المضافة» و«زج» المخالفين بالرأي في السجن.. فالتجربة السعودية في التنمية التي قادها سمو ولي العهد الامير الشاب محمد بن سلمان بدأت بـ«زج» كبار الفاسدين من علية القوم في «فندق ريتز»، وأخرج ما في جيوبهم من «الريالات الحرام» حتى استقام كل اعوجاج في المملكة من نفسه وبتلقاء نفسه.. ورأى المواطن السعودي بأم عينه أن لا اسم ولا منصب ولا عائلة حمت الفاسد أو كانت عائقا أمام سمو الأمير محمد بن سلمان في إخراج المسروق من جيب السارق.

خطأ قوبل بخطأ مماثل

على أنه يجب الإقرار أيضاً وبكل أسى، أن خطأ القبس قد قوبل بخطأ مماثل من الطرف الآخر، وهو في واقع الأمر يضم أطرافاً عدة.. منهم من كنا نعلق عليهم الآمال في قيادة تيار الفكر الانفتاحي في البلد الذي يستقبل الخطأ ثم يجيدون التعامل معه بما يترك «الأرض البور» مزروعة بالازهار والورود.. أي يجعل النقاش حول الأمر المختلف بشأنه راقياً يتبادل المختلفون آراءهم بكل رحابة صدر وتقبل للرأي الآخر، ثم يغادر كل منهم ميدان المناقشة، وهو يحمل الاحترام للرأي الآخر حتى لو لم يقبله.. فقد أزعجني جدا أن يكتب عبيد الوسمي تغريدة يقول فيها «إن لم تستح فاكتب ما شئت»، وهو الذي يقدم نفسه كأحد الإصلاحيين الشرسين الذي يحمل السلاح «الفكري» ويحارب الفساد «الفعلي».. بل ان قطاعا كبيرا من أفراد المجتمع تلقى رأيه وتغريدته بارتياح عميق وتقبله بكل فرح وسرور.

أخطاء الطرف الآخر

ولهذا الطرف الآخر الذي يضم أطرافاً عدة.. أخطاؤه الكثيرة، وهي أخطاء لها خطورتها على حاضر البلد ومستقبله واستقراره الاجتماعي، ونوجزها كالتالي:

أولاً: كان واضحاً عزف هذا الطرف على الوتر الذي يطرب له قطاع كبير من الشعب، وهو أن القبس تمثل «التجار» أو «غرفة التجارة» التي لا يشبع أعضاؤها أبدا من المال.. وبنفوذهم يستحوذون على كل موارد البلاد وخيراتها.. وهو وتر ليس حساسا فحسب، بل إن العزف عليه دائما وفي كل الأحوال يخلق لدى الرأي العام الشعبي بيئة تفرض على كل من يريد ان يتكسب شعبيا ان ينادي بالمبادئ الاشتراكية.. التي فشلت في معاقلها، بل وسقطت أنظمتها وجمهورياتها.. وهذا ما يلاحظه المراقب المنصف للشأن العام في الكويت أن هناك اتجاها متصاعدا لدى عامة الشعب ومفكريهم نحو الأخذ بهذه المبادئ الاشتراكية، وبكل صراحة فإن مستقبل التنمية الحقيقية في البلد في خطر بسبب تطرف كلا الطرفين، ولكن.. قد يكون البعض يلتمس العذر لعبيد الوسمي، فتغريدته كانت رداً على «الافتتاحية» المثيرة للجدل، وكما هو في قانون الطبيعة «لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويخالفه في الاتجاه».

مبادئ هشة

ثانياً: أماط الكثير من أصحاب التيارات السياسية اللثام عن حقيقة مواقفهم «المخزية» ومبادئهم «الهشة»، فالديموقراطية الحقيقية في جوهرها أن في المجتمع الواحد أكثر من رأي.. ولا تزدهر هذه الديموقراطية وتتطور إلا بالممارسة الحقيقية بالرأي والرأي الآخر، إلا أن الفجور في الخصومة هو الذي ساد.. نعم أخطأت القبس في افتتاحيتها، ولكن حين يقابل الخطأ بخطأ مثله لن يكون المجتمع أمام نقاش صحي بناء.. بل يكون في حالة من التوتر والغليان.. وللحقيقة حسناً فعلت القبس حين نشرت وعلى صدر صفحتها الأولى كل الآراء التي وصلت إليها، بل وركزت على «الهجوم اللاذع» منها.. فاستعادت لنفسها جانبا ليس هينا من «الحب المفقود» من قبل القراء.. بينما اتضح لنا أن مجتمعنا لا يزال بعيدا كل البعد عن أن يوصف بالبلد الديموقراطي.. وأن من بين مفكريه ونخبه الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تطوير الديموقراطية يعتنقون «المبادئ الاشتراكية»، بل إنهم يجعلون زيادة رصيدهم الجماهيري مقترنة بالهجوم على أهم أسس المجتمع الديموقراطي ألا وهو الدور البارز لـ«الملكية الخاصة» ودور «رأس المال»، فالمجتمع الديموقراطي هو «المجتمع الرأسمالي».

ختاماً.. لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى جريدة القبس على نشرها هذا المقال في حال أجازت نشره، فلا أظن أن هذا المقال كان سيرى النور لو كان محل اسم القبس فيه.. اسم أية صحيفة أخرى، وأخيراً أعيد ما قلته في تغريدتي على حسابي في تويتر قبل يومين:

أنا سعيد توفيقي.. ابن القبس.. تربية القبس.. وما فيني خير إذا نكرت فضل القبس..

هي تقول رأياً قد لا أتفق معها فيه، لكن أبذل روحي في سبيل أن تقوله.

القبس ستظل هي القبس.

سعيد توفيقي يظل... سعيد توفيقي.


سعيد توفيقي




تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking