آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

68774

إصابة مؤكدة

465

وفيات

60906

شفاء تام

النخبة اللبنانية ترفض تحمُّل نصيبها من أزمة الديون

ديفيد غاردنر (فايننشيل تايمز)- ترجمة: محمد أمين

أقدم رجل يشعر باليأس من الحياة، على الانتحار في بيروت الغربية، الأسبوع الماضي. الرجل كان يرفع لافتة كُتبت عليها كلمات من أغنية للملحن اللبناني زياد رحباني: «أنا لست كافراً. الجوع هو الكافر».

وفي إشارة أخرى على حالة اليأس هذه، التقطت الكاميرا رجلا مسلحا يقتحم صيدلية لسرقة حليب الأطفال وليس صندوق الأموال النقدية، واستهل مذيع نشرة الأخبار على احدى محطات التلفزة بمقاطع مروعة من طوابير الناس التي اصطفت على متاجر المواد الغذائية من فنزويلا إلى إيران، وسأل المشاهدين عما إذا كان هذا هو لبنان الذي يريدونه، فهذا هو المسار الذي يسلكه لبنان حالياً.

طوابير الطعام في لبنان بدأت تظهر بالفعل، والطبقة الوسطى، التي دمرت ماليا أبان الحرب الأهلية 1975-90، تغرق مرة أخرى.

لقد قدّر البنك الدولي العام الماضي، أن 48 في المائة من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، وكان ذلك قبل وصول الازمة المالية الى ذروتها وقبل الانهيار الاقتصادي الذي احدثه فيروس كورونا وتداعياته.

ولم تحرز المحادثات بين لبنان وصندوق النقد الدولي بشأن القروض الطارئة لإنقاذ البلاد من أزمة الديون المصرفية والمالية والضريبية والاقتصادية هذا العام، أي تقدم ملموس بعد أكثر من شهرين من المفاوضات.

طبقة فاسدة

وعلى العكس مما هو معتاد بالنسبة لبلد أجبر على طلب الإنقاذ، ليس هناك عداء واضح تجاه صندوق النقد الدولي. بل يصب اللبنانيون جام غضبهم على الطبقة السياسية الفاسدة في بلادهم، وهم أمراء الحرب المتقاعدون والسلالات من الطوائف الدينية الثماني عشرة، والنظام المصرفي المتضخم الذي استفاد بشكل مفرط من تمويله.

على الرغم من أن الحكومة وافقت بالإجماع على المسودة الرابعة والأربعين لخطة الإنقاذ الخاصة بها في نهاية أبريل، فقد أرسلت أربعة وفود إلى المفاوضات الأولية مع صندوق النقد الدولي. بدلا من المفاوضات الجادة، وجد الصندوق نفسه يحكم مباراة بين فريقين للمصارعة. فهناك الآن معسكران رئيسيان برؤيتين مختلفتين لكيفية سداد الديون قادت لبنان الى الافلاس. وهذا أمر يثير الارتباك، بالطبع.

أبسط تفسير هو أن لبنان ما بعد الحرب، الذي كان مدعومًا بالمنح والقروض الأجنبية وتحويلات الشتات اللبناني لتغطية العجز الهائل في الحساب الجاري، كان ينفق أكثر من إمكانياته. وقد تم ربط الليرة اللبنانية بالدولار بشكل غير واقعي منذ عام 1997. وطوال 11عاماً، لم يصادق البرلمان على أي ميزانية، ولم ينشر مصرف لبنان المركزي الذي يقف الآن في صميم هذا الانهيار، حساباته منذ 15 عاماَ. تم إقراض ما يقرب من 70 في المائة من أصول النظام المصرفي -الذي يمتلك ودائع تبلغ أضعاف حجم الاقتصاد اللبناني -إلى دولة معسرة مبنية على نظام المحسوبيات الطائفية.

الشتات اللبناني

في شهر مارس الماضي، تخلفت بيروت عن سداد ديونها الخارجية للمرة الأولى، انه أمر يثير الدهشة أنها كانت قادرة على تحدي قوة الجاذبية لفترة طويلة، لقد واصل محافظ البنك المركزي منذ عام 1993، رياض سلامة، جذب الدولارات من الشتات اللبناني وحول الشرق الأوسط من خلال تقديم أسعار فائدة مرتفعة بشكل مدمر، وزادت على 10 في المائة في الآونة الأخيرة. أطلق على هذه السياسة اسم «الهندسة المالية». وقد أطلق عليها الكثيرون، بمن فيهم وزراء ومحافظون سابقون للبنك المركزي، اسم «مخطط بونزي»، نظرًا لأنه استمر في الاقتراض بفوائد أعلى من فوائد نفس البنوك التي كان من المفترض أن يسدد لها.

ويقول مصرفيون إن المودعين في البنوك اللبنانية، حيث كان حوالي ثلاثة أرباع الودائع بالدولار، محرومون من الوصول إلى مدخراتهم، على الرغم من أن المليارات تم تحويلها إلى الخارج من قبل النخبة قبل أن تأخذ الأزمة مداها، في شهر أكتوبر الماضي. وبلغ متوسط أسعار السوق للدولار مطلع الأسبوع 8700 ليرة لبنانية مقارنة بسعر الصرف الرسمي البالغ 1507. هذا التفاوت يغذي التضخم المتسارع، حيث تضاعفت أسعار المواد الغذائية بأكثر من مرتين منذ شهر أكتوبر حتى اليوم.

سرطان أم انفلونزا؟

في غضون ذلك، لا يزال المعسكران مختلفين حول كيفية سداد ديون البلاد، فالحكومة تقف في معسكر. وقد شل هذا المعسكر الحكومة السابقة التي اسقطتها مظاهرات الاحتجاج في أكتوبر الماضي. واستند ذلك إلى تحالف يسيطر عليه حزب الله.

وتقول هذه الحكومة إن خسائر البنوك تبلغ 62 مليار دولار (بعد اختفاء 21 مليار دولار من رأس المال). وتقترب خسائر بنك لبنان المركزي من 50 مليار دولار. إذا أخذنا هذه الخسائر مجتمعة، فإنها تمثل ضعف حجم الاقتصاد اللبناني. لكن البنوك، التي يمتلكها عادة عائلات سنية أو مسيحية وترتبط بشكل تكافلي بالنخبة السياسية، تقول إن إجمالي الخسائر هو نصف هذا المبلغ. يقول كميل أبو سليمان، الذي استقال من الحكومة السابقة بسبب فشلها في الإصلاح، إن «الأمر أشبه بالذهاب إلى الطبيب وتشخيص إصابتك بالسرطان ثم تقول لنفسك: دعونا لا نسميه سرطان، لنطلق عليه، إنفلونزا!».

هناك مشكلة حقيقية هنا حول كيفية الاقتسام العادل للخسائر الضخمة بين البنوك المحلية البنك المركزي والدولة وأصولها العامة والمودعين الذين يواجهون تضاؤل مدخراتهم. لكن استراتيجية البنوك تقوم على الخيال. لقد كانت اعباؤهم 80 في المائة بالدولار بسعر الصرف الرسمي، لكنهم يفضلون سعر صرف أكثر ملاءمة. إنهم يريدون تخفيض نسبة ديونهم من خلال التضخم الذي يدمر المواطنين العاديين. ويقول مسؤولون إن تقديرات صندوق النقد الدولي لخسائر البنوك تتماشى مع أرقام الحكومة.

وكثيرا ما تحدت النخبة في لبنان، الجاذبية في الماضي ونجت بثرواتها. ربما يفسر ذلك عدم اكتراثهم الذي يصعب تفسيره في خضم هذه الدراما القاتلة. إنه يشبه البحث عن كرسي للاسترخاء على ظهر سفينة تايتانيك، وهي تغرق، والاكتفاء بالتمني أن يبتعد جبل الجليد عن مسارها.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking