آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

70045

إصابة مؤكدة

469

وفيات

61610

شفاء تام

جاء القذافي إلى مسرح السياسة بانقلاب عسكري ضد شرعية الملك إدريس السنوسي عام 1969، في وقت كان فيه الرئيس جمال عبدالناصر يعاني من أعباء هزيمة حرب 1967، فوجد في العقيد الليبي الكثير من حماسه الثوري الذي دفعه لإسقاط نظام الملكية في مصر مع جوار جغرافي واسع واحتياطيات نفطية كبيرة، فاحتضن عقيد الثورة بدعم استراتيجي مفتوح في كل المسارات، الأمر الذي مكن العقيد الصغير من ترسيخ نظامه في ليبيا.

كانت الحرب الباردة طاغية، فضمه عبدالناصر لصف الاشتراكيين ضد الغرب، ولصف الثوريين ضد الرجعيين العرب، كان يتصوره رصيداً داعماً لمصر، ومات عبدالناصر دون الاستفادة من ثورية القذافي، رغم التلميع السياسي والاعلامي ونعوت التآخي والزمالة الثورية، وجاء السادات مواصلاً المغازلة للقذافي، ولم يقطف شيئاً من الثمار وحارب السادات في 1973 بدعم من سوريا وبسخرية من العقيد، وانتهت الحرب الباردة مع انهيار المنظومة الاشتراكية عام 1990، ودخل العالم في نظام جديد تحت راية العولمة وجوهرها الجهد الجماعي العالمي للتنمية الاقتصادية، مع دور مؤثر لمن يملك السلع الاستراتيجية، ومنها النفط، فلم ينضم القذافي لمنظومة العولمة، فكما ظل متمرداً في فصل الحرب الباردة، فقد مارس الدور نفسه، وجاء إلى الأمم المتحدة متهكماً على ميثاقها معبراً عن ذلك بتمزيق نسخة الميثاق التي كانت بيده ويرميها في الزبالة وسط ذهول ممثلي الدول.

كان القذافي تجسيداً للضياع العربي في المنصة العالمية، ومنبع الفكاهة في القمم العربية، ومقرالسخرية في تجمعات أفريقيا، واستحوذ على ليبيا فأعمى بصرها، ودانت له بالحديد والنار، وهمجية المذابح، وأخرس مساعديه وتبنى نهج الاستفزازات ضد الغرب، وأسلوب التهديد ضد العرب، ومارس التآمر ضد الخليج، ولأنه مفتون بالسطوة والقوة توجه نحو السلاح النووي، ليخيف أوروبا، ويتبنى الارهاب لتصغير الكبار.

مع تلاشي وهج العولمة، دخل العالم في فصل الدولة الوطنية الذي يؤسس لاحترام الحدود والهوية والشرعية للدول، ولم يكن القذافي في تشكيله العقلي وفي فكره على تناغم مع تعميق الهوية الوطنية، فنشاطه خارج الحدود لأنه مسكون بالسطوة، غير مؤمن بنهج التنمية ولا بالتعاون مع الجيران، كان مسحوراً بوهم السيطرة على شؤون العالم عبر الثورية إن أمكن، وفي العالم العربي عبر التآمر.. لم تكن له علاقة بشيء اسمه التهدئة والبناء الداخلي وتطبيع العلاقات ضمن حدود آمنة، والتعايش مع الدول الكبرى، وحسن السلوك مع الجميع، كان هناك شيء غريب في نظراته تتخطى المكان إلى خيال موبوء، كان يرى مكانه بين القادة والعباقرة، مثل الاسكندر وابن رشد.

آخر مرة شاهدته في القمة العربية 1996 في القاهرة، كان يرأس وفد الكويت الشيخ سعد العبدالله ولي العهد، كان مقعد ليبيا بجانب الكويت، مع ممر صغير يفصل بينه وبين الشيخ سعد، كنت ضمن وفد الكويت، جاء الشيخ سعد ليجلس على مقعده وإذا بالقذافي يحييه بصوت عال، ولأن الشيخ سعد لم ينس وقفته الدونية في قمة القاهرة، لمناقشة الغزو العراقي للكويت، فرد عليه قائلاً إنه يشكر الله الذي يفصله عن مقعد القذافي ويرسم صحراءً وبحراً حاجزاً عنه.

اندحر القدافي مع ثورة الشعب الليبي من تفاهة القيادة ومن مغامراتها وتفليس خزينتها واستخفافها بالشعب، فكانت نهاية تراجيدية شكسبيرية.

سيطرت عليه غريزة التآمر، فلم تكن ليبيا وما تملك بحجم العبقرية التي وفرها الخالق له، كان مدفوعاً بخيال يأخذه للاستيلاء على كل أفريقيا، وبهذا الاندفاع سمى نفسه ملك ملوك أفريقيا.. وواجه أوروبا واحتقر قيادتها وضحك على بعض منها بالرشاوى.

كان أحقر ما في أفكاره تقطيع أوصال المملكة العربية السعودية وتوزيع التركة على توابعه، مهما كانت هوياتهم، قبائل وحكاما أو أحزابا أو حتى مغامرين من قبائل مات صيتها، كان يتصور بأنه الأجدر أن يصير سلطان الحرمين الشريفين، فلن يرضى بلقب خادم حتى لو كان للحرمين.

عندما عقدت القمة العربية في الدوحة - عاصمة قطر- جاء القذافي، ليس مدفوعاً بالحرص على سلامة الأمة العربية وتطورها، جاء إلى الخليج ليتطاول على المملكة وقيادتها ويخرب مسار المؤتمر، ورأينا تجاوزاته على رئاسة الوفد السعودي، ممثلة بالمرحوم الملك عبدالله، ولم يكن مهتماً بمصير المؤتمر ولا بمكانة المضيف، وخرج إلى المطار عائداً إلى ليبيا.

خلال المؤتمرات العربية التي حضرتها كان يضع نفسه في مقام آخر، عبر استخفافه بالألقاب وتجلياته في مفردات تصغير لدول الخليج، وسط ابتهاجات اعلامية عن نقاوة الثورية القذافية التي كانت تتآمر ضد من يتصدى لها.

سألت المرحوم السفير منصور كخيا، الذي كان مندوب ليبيا الدائم في الأمم المتحدة، وكان انساناً حضارياً، عن سر ارتباطه بالقذافي رغم التباين في الشخصيات وفي الأدب، كان رده بأنه وحدوي والقذافي مثله وحدوي هذه أكبر كذبة نشرها القذافي، لم يكن أي شيء من هذا، كان مفرطاً في حب السلطة لا تهمه قواعد الجوار وأحكام العلاقات، وتم اختطاف منصور كخيا من القاهرة إلى الاعدام في ليبيا.

لا أعرف السحر الذي مارسه القذافي في استحضار مجموعة كويتية من الاخوان المسلمين، ضمت النائب السابق مبارك الدويلة، للاستماع لطرح القذافي مصير السعودية للتجزئة وتقطيع أطرافها واسقاط نظامها، وهي لعبة مارسها القذافي في تدبير مؤامرة لاغتيال الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وانكشفت المؤامرة وتمت السيطرة على زعيمها الذي انتفع من أخلاق الملوكية السعودية التي أعفت عنه وأبعدته.

وما يزيد الأسى أن تتكشف الأسرار مع فك الدواليب، وتساقط الأسرار، كما سقطت أسرار من شبكات الخداع التي أسسها صدام حسين، ويأتي من الرياض بيان من السيد عساف أبوثنين، مدير مكتب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، عندما كان أميراً للرياض، بنفيه التام لما تردد على لسان مبارك الدويلة، بأنه أبلغ الأمير سلمان، عندما كان أميراً للرياض، بمحتوى الحوار الذي تم مع عقيد التآمر القذافي، ويشير السيد عساف بأن زياراته كانت للمجاملة فقط.

وفي يوم الاثنين 29 يونيو الماضي، يؤكد وزير شؤون الديوان الأميري الكويتي أن ما جاء في لقاء مبارك الدويلة خلال برنامج حديث البلد مع الاعلامي محمد طلال السعيد، بتاريخ 23 يوليو 2020، بأنه نقل لسمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد ما دار بينه وبين الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، وبأن سموه طلب منه ابلاغ ذلك لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، غير صحيح البتة، ومحض تقول وافتراء على المقام السامي.

ولد القذافي حاملاً داء الهلوسة Hallucination، متوهماً أنه نزل من كوكب آخر..

أتذكر لقاء مع المرحوم الملك خالد بن عبدالعزيز، في نوفمبر1981، خلال القمة الخليجية الثانية في الرياض، كنت ضمن الجالسين بمعية الملك، ويروي بأن القذافي زار السعودية في السبعينات ودار حوار بينه وبين الملك خالد حول الصحابة والرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، وكان رد القذافي صادمًا ومشبّعًا بالغرور.

انهت ثورة شعب ليبيا أوهام القذافي، الذي يرى نفسه من قطاع مختلف، متعالياً على الجميع.


عبدالله بشارة

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking