تقشُّف الحكومة يكبِّل القطاع الخاص!

سالم عبدالغفور  وإبراهيم محمد -

على عكس مختلف دول العالم، سواء غنية كانت أو فقيرة، والتي احتضنت القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة خلال أزمة «كورونا»، رفعت حكومة الكويت يدها بشكل شبه كلي، باستثناء بعض التسهيلات الائتمانية، التي تتحمّل تبعاتها البنوك، والتي هي جزء لا يتجزأ من القطاع الخاص والقرارات المتعلقة بمضاعفة دعم العمالة الوطنية في القطاع الخاص.

وبخلاف توجّهاتها السابقة والمعلنة بدعم القطاع الخاص والتوجّه نحو الخصخصة بعد عقود من التهميش وفرض الهيمنة شبه المطلقة للقطاع العام، أقرت الحكومة حزمة قرارات، وتسعى إلى إقرار أخرى، من شأنها القضاء على القطاع الخاص كلياً، من دون الاكتراث لتبعات ذلك وتداعياته على الاقتصاد ومستقبل الشباب.

ومن أهم تلك القرارات التي قد تكون مبررة حكومياً، لكنها توضح حجم التجاهل للنتائج السلبية على القطاع الخاص، قرار تخفيض ميزانيات الوزارات بحد أدنى %20، والذي سيؤدي حتماً إلى إيقاف مشاريع تنموية وإسكانية مخطط لها وتأخير إنجاز أخرى، في مقابل الاستمرار في الانفاق على ما هو «جارٍ واستهلاكي»، كما أن إيقاف زيادات رؤوس اموال الشركات التي تستثمر فيها الحكومة وتخفيض الميزانية المخصصة للتدريب والاستشارات يصبّان في الاتجاه نفسه.

بالتوازي مع ذلك، فإن وزارة المالية تخطط لتمرير بعض الاجراءات والقرارات ذات التأثير البالغ في الاقتصاد والمجتمع، ومنها ما يلي:

1- فرض ضريبة %5 على صافي أرباح الشركات والمؤسسات الخاصة، بخلاف المفروض عليها من انواع اخرى من الضرائب القائمة حالياً.

2- تطبيق ضريبة السلع الانتقائية وضريبة القيمة المضافة.

3- إعادة النظر في أسعار ورسوم استهلاك الكهرباء والماء.

4- إلغاء دعم المستودعات لكل من البنزين والكيروسين والديزل، وهو الذي كان مخصصاً لتزويد المصانع والشركات بالوقود المدعوم اللازم لقيامها بأعمالها.

5- إعادة النظر في رسوم الخدمات الحكومية، التي من بينها المقدمة الى قطاع الأعمال التجارية، والتي من المنتظر ان تشهد زيادة في معدلاتها او استحداث رسوم جديدة.

تساؤلات

لماذا تتخلّى الحكومة عن القطاع الخاص بهذه البساطة وسط الأمواج العاتية للأزمة التي فرضتها صدمتا «كورونا» وهبوط أسعار النفط ؟ أين وعودها السابقة بالاعتماد على القطاع الخاص؟ وهل هي ناجحة استثمارياً وخدماتياً لتعويض غيابه، وهل هي قادرة على سد الفراغ بتوظيف 72 ألف كويتي يعملون في القطاع الخاص، قد يصبح جزءا منهم بلا عمل؟ وكيف ستوظف الخريجين الجدد، وهي عاجزة أصلاً منذ سنوات على استيعاب المزيد، بل وتعاني من البطالة المقنعة؟

وكانت مجلة ميد قد أشارت مطلع العام الحالي في تقرير لها إلى أن قلة حجم الإنفاق الاستثماري في الكويت خلال السنوات الأربع الماضية، جعلت من الصعب للغاية على أي شخص مستثمر في قطاع المشاريع القيام بأعمال تجارية، لافتة إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه البلاد قبل سنوات قليلة واحدة من أكبر أسواق المشاريع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أصبحت في السنوات الأخيرة تتميز بفشلها في الاستثمار في البنية التحتية وغيرها من المشاريع الإستراتيجية.

وأوضحت أن الكويت في 2019 منحت ما قيمته 3.8 مليارات دولار فقط من عقود للمشاريع الكبرى، وهذا أقل %38 عن العام السابق وأدنى إجمالي سنوي مسجل، ما يمثل السنة الرابعة على التوالي التي انخفض فيها إنفاق الكويت على المشاريع، حيث بلغت العقود نحو %13 فقط من مستوى الانفاق الذي شهدته البلاد في 2015، والذي بلغت قيمته نحو 29 ملياراً.

وأشارت إلى أن الأخبار السيئة للشركات في البلاد التي مرت بأربع سنوات صعبة تزداد وطأة اليوم، لا سيما أن الميزانية الجديدة للدولة لا تعطي أي سبب للتفاؤل، بشأن أي زيادة في الإنفاق الاستثماري من قبل الحكومة في أي وقت قريب، في وقت تمثل فيه الرواتب والدعوم %71 من الميزانية، في حين تشكّل النفقات الرأسمالية %13 من النفقات المخطط لها.

كل ما سبق كان في وصف الميزانية التي تشكّل فيها النفقات الرأسمالية %13، تمثّل نحو 3 مليارات دينار، فماذا سيكون الوصف بعد تخفيض ميزانية الوزارات بنسبة %20، وما يترتب على ذلك من وقف المشروعات المخطط لها وتأجيل الجاري تنفيذها؟!

السؤال الذي يطرح نفسه: ما مصير الإصلاحات الاقتصادية المنصوص عليها في إستراتيجية رؤية «كويت جديدة 2035»، والتي تهدف إلى توجيه الاقتصاد، بعيداً عن الاعتماد على عائدات النفط، حيث تمثّل فيها شراكات القطاع الخاص أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ مشاريع الاستثمار جزءاً رئيساً منها؟!

خلص الفريق الاقتصادي لجريدة القبس إلى أن القرارات الحكومية إما تنقصها الدراسات الوافية والاستفادة من التجارب الناجحة لدول المنطقة والعالم وإما انها لا تكترث أصلاً لدور القطاع الخاص وتمعن في إضعافه، بغض النظر عن النتائج.

وحذّر الفريق من التداعيات السلبية لتلك القرارات، التي ستكبّد الحكومة في ما بعد أضعاف اضعاف ما قد تضخه اليوم من حزم تحفير اقتصادية، لمختلف القطاعات، لا سيما المشروعات الصغيرة، مشيراً إلى أن الحكومة لديها البدائل والخيارات.

الأضرار المتوقعة

وفي ما يلي الأضرار المتوقعة جرّاء تخفيض الإنفاق الرأسمالي، في ظل الأزمة الحالية ومع غياب برنامج حقيقي للتحفيز المالي:

1 - خروج عدد كبير من الشركات في مختلف القطاعات من السوق نتيجة تراجع حجم الانفاق وعدد المشروعات، وما ينتج عن ذلك من تسريح للعمالة الوافدة، وسيطول حتماً الكوادر الوطنية.

2 - إلغاء مشروعات وتأجيل أخرى سينجم عنها انهيار شركات وتلاشي أخرى، كما أن تأخر دفعات المقاولين من الباطن ستنعكس سلباً على شركات المقاولات وعمالتها، وهذا واقع تعيشه الشركات المنفّذة للمشروعات الحكومية من السابق، سيتسبّب في سلسلة مشاكل أخرى، تنتهي عند التعثّر عن سداد القروض.

3 - القطاع العقاري سيكون من أبرز المتضررين من تراجع الإنفاق الاستثماري، فضلاً عن خطط تعديل التركيبة السكانية؛ إذ ستتراجع نسب الإشغال بشكل كبير، ويزيد العرض على الطلب فتنخفض القيمة الإيجارية، وبالتالي ستتراجع قيم العقارات، وهو ما سيصيب القطاع المصرفي بالضرر لسببين: الأول تعثّر ملاك العقار عن السداد، والثاني نتيجة انخفاض قيم الضمانات العقارية والتي ستصيب البنوك الإسلامية بشكل اكبر.

4 - البورصة ستكون عرضة لانسحاب شركات جديدة، إما بسبب تعثرها وتجاوز خسائرها %75 وإما لعدم إقبال شركات تضررت بالفعل على الادراج، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين في الكثير من الأسهم من الأسهم المدرجة.

5 - المشروعات الصغيرة والمتوسطة تعاني من مصاعب جمة؛ أولاً لصغر حجمها وعدم قدرتها على تحمّل أزمة عالمية بهذا القدر من التداعيات السلبية، وثانياً نتيجة تخلي الحكومة عنها، اعتماداً على طروحات وتسهيلات ائتمانية، وثالثاً بسبب تراجع الانفاق الاستثماري وعدم استفادة تلك المشروعات من نسب الأفضلية التي أقرتها الدولة، وإن كانت غير مطبّقة في معظم الأحيان.



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking